تجسد شخصية الدكتور مصطفى، كما يؤديها ماجد الكدواني في مسلسل “كان ياما كان” من تأليف شيرين دياب وإخراج كريم العدل، نموذجًا دراميًا معبرًا عن الصراع الأخلاقي في مجتمع مليء بالتحديات، حيث تنفصل الشخصية عن مجرد كونها طبيبًا لتصبح رمزًا يعكس قيم العدالة والضمير والمسؤولية الفردية، ويعكس البناء الدرامي للشخصية تناقضًا بين الاتزان الظاهر والقلق الباطني، إذ يظهر مصطفى في البداية كعقلاني مؤمن برسالته الإنسانية، لكن سرعان ما تتكشف هشاشته حين تتعارض مثالياته مع واقع الحياة القاسي.

المسلسل، عبر هذه الشخصية، لا يطرح سؤال الخير والشر بشكل مباشر، بل يعيد النظر في الحدود الفاصلة بينهما، ويضع بطله في منطقة رمادية، حيث تتجلى المعضلة الأخلاقية في كل قرار يتخذه، مما يجعل كل اختيار اختبارًا لصورته عن ذاته، قبل أن يكون رد فعل لحدث غير متوقع غيّر مجرى حياته، وتبرز أهمية الشخصية في كونها ليست بطلاً تقليديًا بل نقطة ارتكاز نفسية تقيس تحولات السرد، فالصدمات التي يتعرض لها مصطفى ليست مبنية على عنصر المفاجأة، بل تتشكل من تراكم تدريجي للوعي، وعيه بذاته وحياته الاجتماعية وزواجه الذي كان يعتقد أنه مستقر، فالصدمة هنا تمثل لحظة انكشاف للذات أمام حقيقتها، وسقوط لصورة مثالية كانت تحميه من مواجهة تعقيدات العالم.

هذا التدرج في تفكيك الشخصية يمنح العمل عمقًا تحليليًا، حيث نرى كيف يتحول الشكل المثالي إلى عبء، حين يصبح الدفاع عن هذه المثالية مكلفًا، وكيف يمكن للضمير أن يتحول من مصدر قوة إلى ساحة صراع داخلي، وفي هذا السياق، يكتسب أداء ماجد الكدواني قيمة مميزة، إذ يعتمد على أسلوب تعبيري واضح ومكثف، متجنبًا الانفعالات الزائدة أو الإيماءات المباشرة، ومؤسسًا حضوره على الصمت والنظرة والتلوين الصوتي الخافت، مما يتيح للكاميرا التقاط أدق التحولات النفسية.

ويتعمق هذا الأسلوب التعبيري ليتجسد في لغة جسد دقيقة، حيث لا يمثل ماجد الكدواني الدور بحواسه فقط، بل يمنح الشخصية ثقلًا فيزيائيًا يعكس حمولتها النفسية، نلاحظ ذلك في انحناءة بسيطة في الكتفين توحي بعبء أخلاقي ونفسي، وفي حركة يديه المترددة التي تعكس صراعه بين محاولة التحرر وعجز الذات، فـ”زيغ العين” لديه ليس مجرد تعبير عن الخوف والقلق، بل هو انعكاس لشرخ داخلي يسعى لمداراته، كأن جسده أصبح وعاءً ماديًا يترجم انكسار الروح، وتحول “الوجه العادي” إلى مسرح لمأساة صامتة مكتملة الأركان.

إن قدرته على تجسيد الانكسار دون انهيار، وعلى التعبير عن التردد عبر إيقاع بطيء محسوب، تجعل الشخصية تبدو حقيقية إلى حد الوجع، حيث لا نشاهد تمثيلاً بقدر ما نعاين حالة إنسانية تتشكل أمامنا، كما أن التدرج في الأداء يوازي التدرج في الكتابة، فلا يحدث التحول فجأة بل يتراكم عبر تفاصيل صغيرة تتجمع لتنتج اللحظة الفاصلة، وهو ما يرسخ الطابع الواقعي للعمل ويبعده عن المباشرة والسطحية.

يمثل الدكتور مصطفى في بنية المسلسل ضميرًا مأزومًا أكثر منه بطلاً تقليديًا، وقيمة الشخصية لا تكمن في انتصارها أو هزيمتها، بل في قدرتها على كشف تعقيد التجربة الإنسانية حين توضع تحت ضغط أخلاقي واجتماعي مكثف، وهو ما يعززه أداء الكدواني الذي يمنح هذا التعقيد ملمسًا حيًا، ويحوّل الصمت إلى لغة، والارتباك إلى معنى، لتصبح الشخصية مساحة للتأمل في هشاشة الإنسان أمام اختبارات الحياة الكبرى.

كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026.