يستعرض المؤلف هشام هلال في مسلسل “عين سحرية” معالجة درامية تحمل بصمة مصرية لأحد الموضوعات الأكثر ترددًا في الفنون العالمية، ألا وهي شهوة التلصص وكيف يمكن أن تتجاوز حدود الفضول البشري إلى آليات الانتقام أو فرض العدالة، بل وقد تصبح وسيلة للابتزاز في سياقات مختلفة.

تتردد هذه الفكرة في الدراما العالمية، حيث تناولها فيلم “Rear Window” كفعل يبدأ بالفضول وينتهي بكشف الجريمة، كما طرحت بعض حلقات “Black Mirror” مفهوم المراقبة كسلطة تكشف هشاشة الإنسان أمام الكاميرا، وفي السياق المحلي، اقترب فيلم “العب مع الكبار” من هذه التيمة بما يتناسب مع أدوات زمنه، وبعد سنوات، جاء مسلسل “هذا المساء” ليطرح الفكرة عبر اختراق الهواتف المحمولة.

لكن “عين سحرية” يقدم معالجة أكثر مباشرة ومعاصرة، حيث تتحول كاميرات المراقبة من وسيلة أمان إلى عنصر فاعل في إنتاج الأحداث، تكشف الجريمة وتضع الشخصيات في منطقة رمادية أخلاقيًا بين العدالة والانتقام.

لا يتعامل المسلسل مع الكاميرا كأداة تقنية فحسب، بل كسلطة تؤثر في مجريات الأحداث، فالصورة هنا ليست مجرد تسجيل محايد، بل سلاح يمكن استخدامه لكشف الفساد أو توظيفه في لعبة الابتزاز.

في أحد المشاهد، يظهر ظل فيلم “الأصليين” من خلال حوار حول “السكان الأصليين” الذين يتولون حماية المجتمع من الفاسدين، سواء كان هذا التماس مقصودًا أو عفويًا، فإنه يربط العمل بسياق أوسع من الأعمال التي طرحت سؤال المراقبة كسلطة موازية خارج الإطار الرسمي.

يقدم عصام عمر شخصية “عادل” مهندس الإلكترونيات المسؤول عن تركيب الكاميرات، كشخص يسير على حبل مشدود بين ضمير يرفض الانزلاق إلى لعبة الابتزاز وضغوط مادية تدفعه إلى منطقة رمادية.

استطاع عصام عمر خلال السنوات الأخيرة أن يكون من الأسماء البارزة بفضل قدرته على التنقل بين الكوميديا والتراجيديا، وتقديم شخصيات مركبة تحمل خفة ظاهرية وعمقًا داخليًا، وفي “عين سحرية” تتجسد الحيرة بوضوح، صراع بين الحاجة والانتقام وشعار محاربة الفساد، دون أن تتحول الشخصية إلى نموذج نمطي سهل.

في المقابل، يرسم باسم سمرة شخصية “زكي غالب” بحرفية لافتة، رجل يرفع شعار تطهير المجتمع من الفساد لكنه يخفي دوافع أكثر تعقيدًا تتعلق بماضيه وعلاقته بابنته، وتظهر هذه التعقيدات في لحظات تطهر أمام الطبيبة النفسية.

يبقى السؤال حول الشخصية مفتوحًا: هل نحن أمام صاحب قضية حقيقية أم منتقم يرتدي قناع العدالة؟ هذا التداخل بين الخطاب الأخلاقي والرغبة في الانتقام يمنح الشخصية ثراءً دراميًا واضحًا

يحسب للمخرج سدير مسعود تعامله البصري مع شوارع وأزقة وسط البلد، فالمكان هنا ليس مجرد خلفية بل شريك أساسي في السرد، المباني العتيقة ذات الطراز الكلاسيكي والشقق القديمة والإيقاع الخاص للمدينة، جميعها عناصر تعزز الإحساس بالمراقبة الدائمة.

تبدو القاهرة في المسلسل كمدينة تنظر إلى سكانها بقدر ما ينظرون هم إلى بعضهم، مما يمنح الحكاية واقعية وتوترًا مستمرين، ويبقى السؤال الذي يطرحه “عين سحرية” بوضوح: حين تتحول الكاميرا إلى أداة لفرض العدالة، هل تظل العدالة نقية أم أن من يراقب، مهما كانت نواياه، يقع في الفخ نفسه الذي يدّعي مقاومته؟ هنا تكمن قوة العمل، ليس فقط في حبكته أو أبطاله، بل في قدرته على دفع المشاهد للتفكير في حدود السلطة التي تمنحها الصورة لمن يملكها