مع تسارع أحداث مسلسل “مناعة” الذي يُعرض حاليًا في الماراثون الرمضاني، يبرز التساؤل حول الأبعاد الواقعية لشخصيات “تاجرات الصنف” في منطقة الباطنية العتيقة، تلك المنطقة التي لم تكن مجرد زقاق ضيق في قلب القاهرة، بل كانت مركزًا اقتصاديًا يتسم بالسرية، تُديره نساء لم يعرفن الرحمة، وامتلكن من الحنكة ما مكنهن من البقاء بعيدًا عن أعين القانون لفترة طويلة.

تتجاوز قصص سيدات الباطنية حدود الدراما، إذ تسجل وقائع حقيقية في دفاتر مصلحة الأمن العام، حيث كانت “المعلمة” هي الآمرة الناهية، تجلس على عرش من القوة وتدير شبكة من “الناظورجية” والصبيان.

تبدأ الحكاية من بيوت بسيطة تحولت بمرور الزمن إلى حصون منيعة، حيث كانت السيدة المسؤولة عن استلام “الشحنات” الكبيرة وتخزينها في أماكن سرية لا يعرفها سواها، سواء تحت بلاط الغرف أو داخل جدران مزدوجة صُممت خصيصًا لهذا الغرض.

أما كواليس “التقطيع” والتجهيز، فكانت تُمارس في طقوس شبه مقدسة داخل غرف مغلقة، حيث تجلس المعلمة وأمامها “الفرش” الكبير، وتستخدم مقصات حادة وموازين دقيقة لتقسيم المخدرات إلى قطع صغيرة تُعرف بـ “قرش” أو “صابع” وفقًا لطلبات الزبائن.

لم تكن عملية التقطيع عشوائية، بل كانت تتم بحرفية عالية لضمان أقصى ربح ممكن، حيث يتم خلط المواد الخام بمواد أخرى لزيادة الكمية، قبل أن يتم تغليفها بعناية فائقة في ورق “السلوفان” أو القماش، لتكون جاهزة للتسليم السريع.

اللافت في حياة هؤلاء السيدات هو التناقض الصارخ، فبينما يقطّعن السموم التي تدمر حياة الشباب، كنّ يحرصن على الظهور بمظهر “ستات البيوت” اللاتي يقمن بواجباتهن الاجتماعية، بل وكان لبعضهن دور في “فض المنازعات” بالمنطقة، مما خلق لهن هيبة اجتماعية زائفة غطت على نشاطهن الإجرامي لفترة طويلة.

اليوم، ومع عرض مسلسل “مناعة”، يسترجع الكثيرون تلك الحقبة التي انتهت بضربات أمنية قاصمة طهرت “الباطنية” من دنس السموم، لتظل تلك القصص مجرد ذكرى في ملفات الجريمة، ومادة خصبة لصناع الدراما لتوعية المجتمع من مخاطر الانجراف خلف بريق المال الحرام الذي لا يترك لصاحبه سوى جدران الزنزانة أو الموت وحيدًا خلف قضبان الندم.

تدور أحداث مسلسل “مناعة” في إطار شعبي داخل حي الباطنية، وتعود من خلال الأحداث إلى فترة السبعينيات والثمانينيات، من خلال شخصية تلعبها هند صبري التي تتحول من زوجة مغلوبة على أمرها لزوجها الذي يُقتل في تجارة الممنوعات إلى سيدة قوية تواجه الصعاب لحماية أسرتها، وتغوص الأحداث في عالم المخدرات والصراعات الاجتماعية مع استعراض مفهوم “المناعة النفسية” في مواجهة القسوة.

أبطال مسلسل مناعة

مسلسل “مناعة” بطولة هند صبري، رياض الخولي، أحمد خالد صالح، خالد سليم، مها نصار، كريم قاسم، أحمد الشامي، عماد صفوت، هدى الإتربي، ميمي جمال، وعدد كبير من الفنانين، بجانب عدد من ضيوف الشرف، تأليف عمرو الدالي، إخراج حسين المنباوي، إنتاج المتحدة استوديوز.