تحت عنوان “كان يا ما كان” يتجلى عمل درامي يلامس قضايا الحب والملل والاختيار، حيث ينطلق المسلسل من هذه العبارة التقليدية ليطرح تساؤلات وجودية حول العلاقات الإنسانية، فبينما يُفترض أن يكون السرد عن حكايات منتهية، نجد أن الأحداث تتكشف أمامنا عن انهيار علاقة زوجية في الوقت الراهن.

بداية السرد تأتي بعبارة “كان يا ما كان” التي عادة ما تشير إلى قصص من الماضي، لكن المسلسل الذي أخرجه كريم العدل وتألفت نصه شيرين دياب يروي لنا حكاية حاضرة تتعرض للانهيار، لتصبح هذه العبارة بمثابة رثاء لعلاقة كانت تبدو مستقرة لكنها كانت تعاني من موت بطيء تحت وطأة الرتابة، مما يطرح سؤالاً ملحاً: متى تتحول الحياة إلى حكاية بصيغة الماضي؟ ومتى يصبح الزواج نفسه “كان”؟

تتر المسلسل، الذي يُغنيه مدحت صالح، يعزز هذه الدلالة من خلال تقديم أغنية “كان ياما كان” الشهيرة، حيث لا تقتصر الاستعادة على لحن معروف، بل تشمل ذاكرة وجدانية غنية، النسخة الجديدة تحتفظ بالشجن الأصلي لكنها تضفي عليها هدوءاً وتأملاً، وكأنها تستعرض الحكاية من مسافة زمنية أبعد، مما يجعل التتر جسراً بين ماضٍ طربي وحاضر درامي متوتر، ويجعل العنوان يحمل معاني متعددة.

المسلسل يبرز تحولاً في الصورة النمطية للمرأة، حيث يقدم نموذج امرأة لا ترفض دور الضحية فحسب، بل تعيش صراعاً داخلياً مع نفسها، فشخصية “داليا” (يسرا اللوزي) ليست متمردة، بل تبحث عن هويتها بعد خمسة عشر عاماً من التآكل البطيء في علاقة لم تمنحها الاستقرار، قرارها بالطلاق لا يأتي كخيار للهرب من رجل سيئ، بل كخطوة لإنقاذ ذاتها من حالة العدم العاطفي، مما يعكس جرأة العمل في الاعتراف بأن الملل الزوجي يمثل أزمة حقيقية.

من جهة أخرى، يقدم المسلسل نموذج الرجل المصدوم، حيث يجسد ماجد الكدواني شخصية “مصطفى” الذي يعتقد أن الاستقرار يكفي للحفاظ على الحب، صدمته ليست في الطلاق بقدر ما هي في إدراكه المتأخر أن الحب يحتاج إلى تجديد مستمر، أداؤه يعتمد على تفاصيل صغيرة تعبر عن مشاعر متضاربة، مما يفتح المجال لتفكيك صورة “الزوج الصالح” الذي قد يخفي غياب الحضور العاطفي، ويبرز المأساة بشكل أكثر واقعية.

بينما تقف الابنة كضحية صامتة في قلب هذا النزاع، تعكس حالتها تساؤلات أخلاقية معقدة حول حق الأفراد في السعي لسعادتهم الشخصية، مما يجعل العمل ينتمي إلى دراما اجتماعية نفسية تعتمد على التفاصيل الدقيقة بدلاً من الانفعالات السطحية، حيث يرصد أزمة منتصف العمر والاكتئاب الصامت داخل علاقة مستقرة.

المخرج كريم العدل يتميز بأسلوبه الهادئ، حيث يعتمد على الكادرات القريبة التي تلتقط اهتزاز المشاعر، بعيداً عن الضجيج البصري، مما يتيح للصمت أن يتحدث، كما أن الموسيقى التي وضعها خالد الكمار تسير بمحاذاة الأحداث، معتمدة على جمل لحنية قصيرة تعكس الثقل النفسي، مما يعمق الإحساس بالتآكل البطيء للعلاقة.

البيوت في المسلسل ليست مجرد ديكور، بل تعكس الحالة النفسية للشخصيات، حيث تظهر مساحات مرتبة ولكن باردة، مما يعكس فقدان الحرارة العاطفية، هذه التفاصيل صنعت تواصلاً قوياً مع الجمهور الذي وجد نفسه في هذه الأبعاد الواقعية للملل داخل الزواج المستقر.

في جوهره، المسلسل لا يتحدث عن الطلاق بقدر ما يتناول سؤالاً أعمق: كيف نحافظ على الحب بعد أن يتحول إلى عادة؟ وما هي ضرورة البحث عن الذات؟ مما يتركنا أمام كشف مؤلم حول العلاقات التي لا تُجدد نفسها، حيث تتحول ببطء إلى حكايات تُروى بصيغة الماضي