في لحظة تاريخية مشحونة بالتوتر والألم، يظهر مسلسل “صحاب الأرض” بإخراج بيتر ميمي وتأليف عمار صبري ومحمد هشام عبية كعمل درامي يجسد تجربة إنسانية في زمن تتشكل فيه الذاكرة من خلال الصورة والسرد، حيث لا تقتصر المعارك على ميادين القتال بل تمتد إلى عوالم الحكاية، مما يجعل السؤال حول ضرورته أكثر إلحاحًا من أي جدل حوله.
المسلسل يطرح قصة تجمع بين طبيبة مصرية تؤدي دورها منة شلبي التي تعمل في غزة ورجل فلسطيني يجسده إياد نصار، يسعى لإنقاذ عائلته، وتقدم هذه الحبكة دراما إنسانية تتجاوز حدود العاطفة، لتصبح تجسيدًا لفكرة الصمود كفعل مقاومة يومي، ويشارك في البطولة عدد من الفنانين مثل كامل الباشا وآدم بكري وتارا عبود، حيث لا يقدم العمل أبطالًا خارقين بل يسلط الضوء على بشر عاديين يواجهون الألم ويكتشفون معنى البقاء.
تتجلى قوة العمل في أسلوبه السردي، حيث يبتعد عن الخطاب المباشر أو الشعارات، ليقترب من التفاصيل الصغيرة مثل غرفة إسعاف تحت القصف، وأم تبحث عن طفلها، ورجل يحاول أن يظهر قويًا بينما ينهار داخليًا، وتلك التفاصيل هي ما يصنع الوثيقة الحقيقية، فالتوثيق هنا يتم عبر العيون المرتعشة والأنفاس المقطوعة.
أهمية هذا النوع من الأعمال تتجاوز المتعة الدرامية، حيث تمنح الفرصة لأصحاب الأرض لرواية قصصهم في لحظة صعبة، مضغوطة داخل عالم قاسي، حيث تعيد الدراما طرح السؤال: من يروي الحكاية؟ ولمن تُروى؟ وعندما تبرز الأحداث استهداف المنشآت الصحية وتناقض الروايات، فإنها لا تقدم بيانًا سياسيًا بل تعرض واقعًا دراميًا يُجبر المشاهد على التفكير.
المسلسل أيضًا يبرز الدور المصري في سياق إنساني من خلال قوافل الإنقاذ، حيث يظهر الفعل الإغاثي كجزء من نسيج تضامن طبيعي دون استعراض أو مبالغة، مما يمنح العمل مصداقية فنية ويجنبه الوقوع في فخ الخطاب المباشر.
على مستوى الأداء، تقدم منة شلبي شخصية ناضجة لطبيبة ممزقة بين واجبها الإنساني ومشاعرها، بينما يمنح إياد نصار الشخصية الفلسطينية عمقًا بعيدًا عن النمطية، وتظهر الكيمياء بينهما كشراكة مليئة بالألم والقلق والأمل الهش، مما يجعل العلاقة بين الشخصيتين نابضة بالصدق.
حتى التتر يحمل روح العمل، حيث تؤدي أمير عيد وناي البرغوثي أغنية بكلمات أحمد فؤاد نجم، مما يجعلها ليست مجرد مقدمة موسيقية بل بيان شعري مكثف، ويخلق المزج بين صوتين مصري وفلسطيني جسرًا وجدانيًا قبل بدء الحكاية، حيث تتحول الموسيقى إلى جسر يربط بين واقع الطبيبة المصرية ووجع الرجل الفلسطيني.
اختيار أغنية “يمة مويل الهوى” يأتي كاستحضار لروح المقاومة، حيث تعبر الأغنية عن التشبث بالأرض رغم القيود، وتتحول إلى بيان وجداني يسبق الصورة، مما يختصر جوهر الصراع الدرامي، حيث يصبح الموت أهون من الاستسلام.
بصمة أمين بوحافة في التوزيع تعطي اللحن ثقلاً دراميًا، حيث تتصاعد الوتريات كأنها صدى للقصف، ثم تنحسر لتفسح المجال لصوت الناي، مما يمثل الأمل المتبقي وسط الركام.
يتعامل المسلسل مع المكان بوصفه شخصية قائمة بذاتها، حيث تصبح غزة كيانًا حيًا يتنفس تحت الركام، حيث لا تستعرض الكاميرا الدمار بل تتعامل معه بوعي جمالي يحفظ للوجع كرامته، مما يحول الألم إلى حالة تأمل.
الأهم أن العمل يظهر في توقيت بالغ الحساسية، حيث يحتاج المشاهد إلى عمل فني يعيد ترتيب الفوضى، ويمنحها سياقًا إنسانيًا، حيث تكمل الدراما نشرات الأخبار وتمنح الأرقام وجوهًا وأسماءً وحكايات.
“صحاب الأرض” ليس مسلسلًا عن الحرب فقط، بل هو عن الحق في الحكي، وضرورة أن تبقى الذاكرة حيّة، وأن يتحول الفن إلى مساحة لحفظ الشهادة.
في هذه اللحظة بالذات، يظهر العمل كوثيقة حية وموقف إنساني دون أن يفقد جماله.

