بينما تغمر الأعمال الدرامية خلال شهر رمضان في أجواء الصراعات والأكشن، يأتي مسلسل “اتنين غيرنا” ليقدم تجربة فنية مغايرة، حيث يطرح تساؤلات عميقة حول العلاقات الإنسانية المعقدة، مما يجعله يبرز كعمل يستحق التأمل في دلالاته الثقافية والاجتماعية.
حظي المسلسل بإشادة واسعة عند عرض أولى حلقاته، لما يميز قصته من ابتعاد عن النمط التقليدي لقصص الحب، بينما انشغل بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي بتفاصيل شخصية البطلة كممثلة، متجاهلين التركيبة الدرامية الغنية التي تجمع الشخصيات والأحداث في إطارها الإنساني.
“اتنين غيرنا” يختار منطقة نادرة في الكتابة الدرامية، حيث يطرح رؤية إنسانية عميقة بين شخصين يعيشان في ظروف اجتماعية معقدة تدفعهما للذهاب لطبيب نفسي، مما يخلق لحظات من الصراع الداخلي والتوتر النفسي، حيث يتقابل نور وحسن في أضعف حالاتهما، بعيداً عن أي انتصار أو جاهزية للحب.
تجمعهما نقطة انهيار كاملة، حيث تبدأ عزلة كل منهما في التلاشي عندما تتشابك حياتهما معاً، مما يخلق ديناميكية جديدة تتجاوز المفاهيم التقليدية للعلاقات.
نور وحسن شخصان غريبان لا يحتاجان إلى التظاهر بالقوة، إذ تمنحهم تلك الغربة مساحة للتعبير عن ضعفهم، مما يتيح لهم الشعور بالأمان بعيداً عن أي تمثيل.
المسلسل يقدم فكرة الإنقاذ المتبادل، حيث لا يوجد بطل ينقذ ضحية، بل علاقة قائمة على الاحتياج المتبادل، مما يعكس طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتجاوز السيطرة والتفوق.
الإنسان لا يحتاج إلى آخر يكمل جزءه المفقود، بل يحتاج إلى من يراه في لحظات ضعفه دون استغلال، وهذا يتناقض مع الرومانسية التقليدية التي تروج لفكرة النصف الآخر، إذ هنا لا يوجد أنصاف بل شخصان كاملان منهكان، لو التقيا في نسختهما الجيدة فلن يريا بعضهما.
هذا ما يطرحه المسلسل عبر مشاهد الفلاش باك التي تجمع بين نور وحسن في نفس المكان والزمان، حيث تتداخل صدفة الماضي مع اللحظة الراهنة، مما يوحي بأن الحياة تقول: ليس الآن، فالتوقيت غير مكتمل
لا يراهن المسلسل على الصدف كلقاءات عابرة، بل كجزء من بناء درامي يعكس أن اللقاءات المؤجلة ليست دائماً خسارة، بل قد تكون نضجاً مؤجلاً، حيث يصبح التوقيت عنصراً أساسياً في تشكيل العلاقة.
بين كل مشهد وآخر، يترك المؤلف أسئلة بلا إجابات واضحة، بدءاً من: هل لو التقيا نور وحسن في نسختهما القوية، هل كانوا سيتجاهلون بعضهم؟ وهل الألم هو ما يجعلنا نرى الآخر بلا رتوش؟
“اتنين غيرنا” لا يقدم قصة حب تقليدية، بل يعكس تأملاً عميقاً في هشاشة الإنسان عندما يُترك وحيداً، وكيف يبذل أقصى جهوده للنجاة حين يصادف من يشبهه.

