تتجلى في مسلسل “صحاب الأرض” معاناة الشعب الفلسطيني من خلال أداء إياد نصار الذي يعيش تجربة مؤلمة تعكس واقع الركام والتحديات، بينما تبرز منة شلبي تجسيدها لطبيبة ضحت من أجل وطنها، في حين يسهم المخرج بيتر ميمي في تقديم رؤية عميقة للقضية الفلسطينية من خلال سرد درامي مؤثر.
على الرغم من الأعمال السابقة التي تناولت أحداث حرب غزة، مثل فيلم “صوت هند رجب”، فإن “صحاب الأرض” يأتي ليعيد فتح جراح لم تندمل بعد، ويكشف عن انقسامات واضحة في المواقف تجاه القضية، حيث يعرض المؤلف عمار صبري الحكاية بأسلوب درامي محكم، ويرسم السيناريست محمد هشام عبية مشاهد مؤلمة تعكس الوطنية والنضال، إضافة إلى مشاهد الخيانة، مثلما يتجلى في الحلقة الخامسة عندما يتصدى “ناصر” الذي يجسد شخصيته إياد نصار لأحد خونة القضية، مما يثير تساؤلات عميقة حول الولاء والتضحية في زمن الأزمات.
تتداخل مشاهد مؤلمة في الحلقة ذاتها، حيث يسقط “حمزة” ضحية للرصاص الصهيوني، مشهدان يجسدان بمهارة عالية واقع المعاناة، مدعومين بموسيقى تعبر عن الأجواء الحربية، حيث يبرز إبداع أمين بوحافة الذي استطاع أن يستلهم روح المكان والزمان، ويعزز ذلك تتر بصوت أمير عيد الذي يضفي عمقًا إضافيًا على الأحداث، في تناغم مع الموسيقى التصويرية التي تتحدث بلغة خاصة.
يجسد إياد نصار بمهارة شعور الشخصيات وكأنهم يعيشون في قلب الأحداث، حيث تتداخل رائحة الركام مع ملامحه، مما يعطي انطباعًا قويًا عن عمق التجربة الإنسانية التي يعيشها، كما أن اسم “ناصر” يبدو متعمدًا ليعكس رمزًا للزعيم الذي ضحى من أجل فلسطين، مما يسلط الضوء على استمرار التضحيات من أبناء الشعب المصري.
“ناصر” الذي فقد كل شيء، باتت الأرض هي ما يدافع عنه، ولم يكن ليخرج العمل بهذا الصدق لولا الأداء المتميز لإياد نصار الذي تجرد من كل ما هو تمثيلي ليغوص في واقع معيش، حيث ينقل “صحاب الأرض” تفاصيل الحياة التي لم تُروَ من قبل، بعيدًا عن الأخبار السطحية التي نراها يوميًا، فهذه هي المهمة الحقيقية للدراما الصادقة: أن تأخذنا إلى عمق المعاناة الإنسانية
أما منة شلبي، فلم يكن غريبًا عليها أن تتحول إلى طبيبة تعيش آلام الحرب، حيث كانت الأطباء دومًا في مقدمة الضحايا، هم الذين يواجهون الألم والقصف، وقد تجلت موهبتها في تجسيد شخصية “سلمى” الطبيبة، حيث يبدو أنها استوعبت حكايات الأطباء وعاشت تجاربهم بشكل عميق، مما أضاف بعدًا إنسانيًا لأدائها.
تسهم مشاركة فنانين بلهجة فلسطينية في تعزيز مصداقية العمل، مثل كامل الباشا وتارا عبود وآدم بكري، إضافة إلى سارة يوسف وعصام السقا، الذين يمثلون فئات مختلفة من الشعب الفلسطيني والمصري، مما يعكس تضحياتهم في سبيل تقديم المساعدات الإنسانية.
المبدع حسين عسر نجح في تجسيد أجواء الحرب بصورة واقعية، حيث عكست الإضاءة والديكورات والمونتاج أجواء المعاناة بشكل متقن، مما جعل المشاهد يعيش التجربة بكل حواسه، بينما عيون بيتر ميمي تنقل لنا أبعادًا من القضية لم نعرفها من قبل، لتبقى الذاكرة حية ولن ننسى ما حدث.

