تتجلى مسيرة شاكيرا الفنية كقصة كفاح تتجاوز حدود الصوت والرقص، إذ بدأت رحلتها ببطء، تحمل معها أحلامًا وآمالًا، ونجحت في اجتياز التحديات التي واجهتها، فغناؤها كان بمثابة سرد لقصصها الخاصة، ورقصها يعكس لغة الجسد التي تتجاوز الكلمات، مما جعلها تبرز كفنانة فريدة في عالم يميل إلى تهميش البدايات المتعثرة، واستطاعت أن تحول كل عقبة إلى دافع نحو النجاح لتصبح واحدة من أبرز نجمات الموسيقى في العالم.
الجسد كوسيط للمعنى
وفقًا لرؤية أنثروبولوجيا المسرح كما صاغها يوجينيو باربا، يُنظر إلى الجسد على خشبة المسرح كخزان للذاكرة الثقافية، وليس كأداة عرض فحسب، وفي هذا الإطار يمكن فهم جسد شاكيرا ككيان مُعاد تشكيله، حيث تلتزم بالقوانين البراجماتية للأداء التي تنظم الطاقة والتوازن، مما يجعل كل حركة تعبيرًا دلاليًا، وجسدها لا يمثل الموسيقى بل ينتجها بصريًا، ويحول الإيقاع إلى حدث جسدي مستقل.
التفاعل بين الثقافات
من منظور الإثنوسينولوجيا، يُعتبر أداء شاكيرا المسرحي نقطة التقاء بين ثقافات جسدية متنوعة، حيث تعيد توطين الرقصات في جسد معاصر، مما يجعل من أدائها طقسًا حديثًا يمزج بين الحركات الشعبية وتقنيات العرض الجماهيري، ليخلق جسدًا هجينًا قادرًا على مخاطبة جمهور عالمي دون فقدان جذوره، وبالتالي تُقرأ شاكيرا كجسد أدائي يعيد تشكيل العلاقة بين الموسيقى والرقص والهوية.

شاكيرا
في سياق اكتشاف أسرار الحركة والإيقاع، كانت دروس الدكتورة مها العوضي بمثابة الضوء الذي يكشف خبايا الأداء، حيث تحولت معارفها إلى عدسة ترى من خلالها الرقص والجسد كأجزاء حية تتحدث بلغات الثقافة والهوية.
بدايات غير رحيمة
تحتفل شاكيرا اليوم بعيد ميلادها، فهي وُلدت في 2 فبراير 1977، ورغم أنها لم تكن محظوظة في بداياتها، حيث فشل ألبومها الأول والثاني، إلا أن تلك التجارب القاسية أضفت عليها دروسًا في الصبر وإعادة الاكتشاف، فاختارت أن تعيد بناء نفسها فنيًا وتبحث عن صوتها الحقيقي بعيدا عن القوالب الجاهزة.
جاء التحول الكبير في منتصف التسعينيات مع ألبوم “حافي القدمين” عام 1995، ثم “أين اللصوص؟”، لتصعد شاكيرا إلى الصدارة في العالم الناطق بالإسبانية، حيث أعلنت عن نفسها كفنانة متعددة الأبعاد، تكتب وتلحن وتغني، وتمزج بين الروك واللاتيني، مما جعلها رمزًا لجيل كامل من النساء.
Shakira
النجاح العالمي
حقق الألبوم الأول باللغة الإنجليزية “خدمة الغسيل” عام 2001 نجاحًا عالميًا، حيث باع أكثر من 13 مليون نسخة، مما جعل شاكيرا تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا، وتقدم نموذجًا ناجحًا للموسيقى العابرة للثقافات.
لم تكتفِ شاكيرا بالنجاح الجماهيري، بل رسخت مكانتها كواحدة من أكثر الفنانات تأثيرًا في صناعة الموسيقى، حيث أصدرت عشرات الألبومات والأغاني، وحققت مبيعات تجاوزت 95 مليون أسطوانة، مما جعلها واحدة من أبرز الفنانات اللاتينيات في التاريخ، وفتحت الطريق أمام أجيال جديدة من الفنانين.
في العالم العربي، وخاصة في مصر، حظيت شاكيرا بشعبية استثنائية، حيث لم تكن مجرد مغنية أجنبية، بل فنانة قريبة من الوجدان بفضل جذورها العربية، مما رسخ صورتها كنموذج عالمي للأنوثة والجمال.
إلى جانب نجاحها الفني، حصلت شاكيرا على العديد من الجوائز العالمية، بما في ذلك جوائز غرامي وجرامي لاتينية، وسجلت أرقامًا قياسية في موسوعة جينيس، كما أسست مؤسسة “بيرفوت” لدعم تعليم الأطفال، مما يعكس التزامها بالعمل الخيري.
تُعد قصة شاكيرا تجسيدًا للإصرار، فهي امرأة بدأت من الفشل وحققت النجاح بموهبتها وعملها الدؤوب، لتصبح اسمًا يعرفه الجميع، وتجسد نموذج الفنانة التي تجمع بين الأنوثة والقوة، وبين المحلية والعالمية، لتؤكد أن القمة تُنتزع خطوة بخطوة.

