في خضم الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالمنطقة، حيث تتداخل أصوات الانفجارات مع صرخات الأمل، يظهر مسلسل “صحاب الأرض” كنافذة تفتح على معاناة إنسانية عميقة، تسلط الضوء على الأفراد الذين تُهمل قصصهم في زحمة الأحداث، مما يجعله أكثر من مجرد عمل درامي، بل شهادة حية تعكس صمود الأرواح وسط القهر والظلم.

مع تجدد التوترات في المنطقة وتبدل الخرائط تحت وطأة الضغوط السياسية والعسكرية، تتجلى صورة إنسانية مدهشة في تفاصيل حياة هؤلاء الذين يعيشون في ظل الأزمات، حيث تتجاوز مشاعر الأمهات والآباء حدود الجغرافيا لتتعلق بحياة أبنائهم واحتياجاتهم اليومية، فبينما تشتعل النيران في كل زاوية، يبقى صوت الأبناء في قلوب هؤلاء الأهل هو الأهم، مما يجعل “صحاب الأرض” يتجاوز حدود السياسة ليدخل إلى عمق البيوت، حيث تروي الحكايات القصص الحقيقية للبشر الذين يسكنون هذه الخرائط.

الشخصيات في المسلسل، مثل “ناصر” الذي يجسد دوره إياد نصار، تعكس واقعًا معقدًا، حيث تتصارع مشاعر الغضب والعجز، بين حلم البطولة ورغبة الحماية، إذ يبدو ناصر إنسانًا يسير “جنب الحيط” باحثًا عن النجاة، لكنه يدرك أن الألم لا يعرف الحياد، مما يجعل الشخصية قريبة من المشاهد، متناقضة وعاطفية، تعكس واقع الحياة بكل تعقيداته، ويبرز أداء إياد نصار هذا الصراع الداخلي بعمق، حيث لا نشاهد تمثيلًا بل إنسانًا يتجلى ضعفه وقوته في آن واحد، بينما يقود بيتر ميمي العمل برؤية هادئة، مما يمنح كل لحظة ثقلاً خاصًا.

تتجلى المشاهد الإنسانية في المسلسل بشكل مؤثر، كالمشهد الذي يظهر فيه أحد المتطوعين من الهلال الأحمر المصري وهو يقدم هاتفًا لأم ترغب في الاطمئنان على أبنائها، حيث تعكس تلك اللحظة البسيطة عمق الإنسانية، فالدقائق التي تفصل بين الاتصال والرد تحمل توترًا يفوق ضجيج الحرب، وعندما يأتي الصوت، تتبدل الملامح وتنساب دموع الراحة، وفي غياب الصوت، يبقى المتطوع بجوار المنكسِر، حاملاً معه شعور الحضور الذي يصبح في أوقات الكارثة رحمة.

وفي مشهد آخر، يُقام زفاف رغم كل ما يمر به الناس من آلام، حيث يتجمع الأهل والأصدقاء في مشهد احتفالي يعكس تمسكهم بالحياة، وكأن الزفاف يصبح رمزًا للمقاومة، فيظهر الفرح كفعل تحدٍ للواقع، مما يؤكد أن الحياة لا تتوقف أمام الحروب، وأن الفرح يمكن أن يكون سلاحًا رمزيًا ضد الفناء.

كما يبرز المسلسل دور الهلال الأحمر المصري، الذي لا يقتصر على تقديم المساعدات، بل يسهم في إعادة وصل القلوب المقطوعة بفعل الحروب، حيث تُعتبر خدمة “إعادة الروابط العائلية” بمثابة اعتراف بأن الألم لا يمكن تحمله وحده، وأن كلمات بسيطة مثل “أنا بخير” قد تكون مقاومة فعالة لليأس، بينما تُعيد كلمات مثل “الحمد لله على سلامتك” الروح إلى الأجساد المنهكة.

لم يسعَ “صحاب الأرض” لأن يكون أكبر من الحياة، بل اقترب منها بعمق، حيث تناول وجع الأمهات، وخوف الأطفال، وارتباك الآباء، مما جعل المسافة بيننا وبين غزة تبدو كنبض مشترك وليس كجغرافيا، في ظل اللحظات الصعبة التي يتحدث فيها العالم بلغة السلاح، يذكرنا المسلسل بأن لغة البشر تبقى هي الأهم، وأن ما يمكن أن نقدمه هو مد الأيدي بدلًا من رفع الأصوات، لتبقى إنسانيتنا، بكل ضعفها وحاجتها، هي الحقيقة الوحيدة التي لا ينبغي أن تُنسى.

كل ما يخص مسلسلات رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026.