في مشهد مؤثر من فيلم “الغول”، يلخص الصحفي عادل عيسى رؤيته لمفهوم العدالة، حيث يعتبرها كيانًا يمتلك رجلين؛ واحدة لإنصاف المظلوم والأخرى لمعاقبة الظالم، لكن هذه العدالة باتت “برجل واحدة” تخدم مصالح رجل الأعمال فهمي الكاشف، الذي أعاد إحياء “قانون ساكسونيا” ليكرس الفوارق بين الأغنياء والفقراء، مما يجعل عادل يدرك في النهاية أن نفوذ هذا الغول قد أطاح بموازين القانون، فيقرر أن يتخذ العدالة بيده.

ثنائية العدالة والقانون التي قدمها وحيد حامد في فيلمه تتقاطع بشكل عميق مع الإشكالية التي يطرحها مسلسل “عين سحرية”: هل يكفي القانون ليحصل المجرم على جزائه؟ أم أن هناك حاجة لنوع آخر من العدالة؛ عدالة إنسانية تستمع وتلاحظ، لا عدالة عمياء تتجاهل موازين القوى؟ وما الذي سيحدث لو اجتمع القانون والعدالة سويًا؟

لعنة السكان الأصليين

من خلال شخصيتي عادل (عصام عمر)، فني تركيب الكاميرات الكادح، وزكي غالب (باسم سمرة)، المحامي البارع الذي يُقنع الشاب بزرع كاميرات تسجل جرائم الفساد لتحقيق العدالة، تتبلور إشكالية العدالة والقانون، حيث ننتقل من كونهما غاية إنسانية إلى مجرد أداة مادية بحتة، أو ما يمكن تسميته بـ “العدالة الجائعة”.

في مشهد المسمط الشهير، يطرح “زكي” رؤية مادية لفكرة العدالة، حيث يقول بوضوح: “العدالة محتاجة مصاريف يا هندسة.. عمياء آه، بس عايزة تاكل وتشرب، وعايزة بنزين، وهدمة، وكاميرات”، فهو لا ينفي ضرورة نيل المجرم جزاءه في النهاية، لكنه يؤكد أنه في عالم لا يعترف بالصدق المجرد، لا يكفي أن تكون صاحب حق، بل يجب امتلاك “المال” كأداة لإثباته.

يستعيد السيناريست هشام هلال، مؤلف مسلسل “عين سحرية”، ذكرى محاضرة عابرة بقصر السينما في منتصف التسعينيات، والتي شكلت حجر الأساس لوعيه الإبداعي على يد الأستاذ وحيد حامد، حيث استقى “هلال” فلسفة الشارع العميقة، وأتقن فن التقاط التفاصيل المنسية، فضلًا عن تعلمه كيفية صياغة حوار مكثف يشبه “الرصاصة” في سرعة نفاذه إلى أغوار الشخصيات، ويرى “هلال” أن مدرسة وحيد حامد لم تمنحه أدوات الكتابة فحسب، بل علمته كيف يقرأ المستقبل ويستقرئ “الموجة القادمة” التي يتجه نحوها المجتمع قبل وقوعها.

وهذه هي الموجة الجديدة التي نقف في منتصفها الآن، حيث يكدح ملايين البسطاء كـ”عادل” مقابل الفتات، بينما تتربع ثلة من الفاسدين على قمة الهرم يجنون الملايين كل ساعة، إن الموجة التي يرصدها “هلال” في مسلسله ليست مجرد غياب للعدالة، بل خلل صارخ في موازين الثروة، جعل أكثرنا احترامًا في عوز شديد لما في أيدي الفاسدين، وينكسر هذا الميزان حين يتأمل “عادل” ورقة المئتين جنيه التي منحها له صاحب العمل كمنحة عظيمة، وهي تبدو ضئيلة أمام آلاف الجنيهات التي اقتنصها هو و”زكي” من أفواه الحيتان.

إن الخطاب الذي يتبناه زكي عن قصة كولومبس والسكان الأصليين وفكرة أن يتحول أصحاب الأرض إلى خدم، يعكس النظرة الدونية التي تتبناها السلطة تجاه الشعوب، حيث إن عجلة الفساد لا تدور إلا بوقود من عرق ودماء البسطاء، فالسلطة التي ترى في الإنسان “أداة” وليس “قيمة” هي سلطة تسحق آلاف الأحلام يوميًا لتؤمن رفاهية قلة قليلة.

إن معاناة السكان الأصليين مع المحتل هي مجرد نسخة تاريخية تتكرر اليوم في صورة موظف كادح يُسلب حقه، أو مواطن يُسحق تحت وطأة قرارات جائرة، “نوال” التي أفنت عمرها في المصنع ولن تجني في النهاية سوى مرض خبيث ينهش في جسدها ببطء، المطاعم التي تدس السموم، والمقطورات التي تدهس أحلام الفتيات على الأسفلت، إن غياب العدالة ليس مجرد خلل إجرائي، بل هو نزع للصفة الإنسانية عنا، وتكريس لمقولة زكي المؤلمة: “شوفت ظلم الإنسان لأخوه الإنسان”.

الحقيقة بعين سحرية

لم تكتفِ عدسة المخرج السدير مسعود في “عين سحرية” كونها مجرد أداة لنقل النص، بل استطاع خلق لغة بصرية تترجم أفكار “هلال” أيضًا، بداية من اسم المسلسل الذي يرسخ لفكرة التلصص وتلاشي الخصوصية، اعتمد تأطير الشخصيات على فلسفة “الجميع يراقب الجميع”، حيث غالبًا ما يتم تأطيرهم من خلال فتحات أبواب، أو خلف نوافذ، باستخدام زوايا تصوير تحاكي “كاميرات المراقبة” (CCTV) العلوية، مما يعطي إحساسًا بأن هناك سلطة عليا تراقب هذا السقوط الأخلاقي المدوي.

وليعكس السدير مسعود فساد هذه المدينة، اعتمد أسلوب “Cyberpunk” بألوانه النيونية والباردة راسمًا بورتريه لمدينة تلمع من الخارج بينما تتعفن من داخلها، نرى وجوه الشخصيات (مثل عادل وزكي) مقسومة دائمًا بالضوء والظل، هذا التباين يرسخ فكرة “ازدواجية الشخصية”، فكل فرد في هذه المدينة يملك وجهًا معلنًا وآخر مظلمًا يداريه عن العيون.

هذه الازدواجية، الأقرب في فلسفتها لرمز “اليين واليانغ” (التضاد المتكامل)، هي الركيزة التي تقوم عليها علاقة عادل وزكي، حيث كلاهما يهرب من ماضٍ شخصي مليء بالندوب، أحدهما (عادل) يرفض أن يورث خطايا أبيه التي أثقلت كاهله، والآخر (زكي) يستميت لانتزاع اعتراف بمظلومية سرقت سنوات عمره خلف القضبان، وحرمته من ابنته، وجعلته أسيرًا لوحدة قاتمة في غرفته بالبنسيون، فيثور ضد من دمروا حياته.

تتجلى ذروة هذه العلاقة في مشهد كاشف، حين يسرد عادل إرث والده “غير المشرف”، فيقاطعه زكي بتساؤل يحمل طابع الدفاع عن الذات: “مش يمكن مظلوم؟”، سرعان ما تنقلب الأدوار ليقف زكي في موضع الأب (المتهم) سائلاً عادل بضعف إنساني مباغت: “بس انا مظلوم… انت مصدقني؟”، وبإيماءة صامتة بالرفض من عادل، تظل هذه المحاكمة النفسية معلقة دون حل، وكأن الحقيقة في هذه المدينة هي العملة الوحيدة التي لا يملك أحد ثمنها، أو كما يردد “زكي”: “الحقيقة طول عمرها معروفة، مش لازم تتقال بحذافيرها”.