مع اقتراب أذان المغرب خلال شهر رمضان، يعيش المغتربون العرب في تركيا تجربة مميزة تمزج بين الروحانية والحنين للوطن، حيث تعكس موائد الإفطار الجماعية وصلاة التراويح وقيام الليل محاولاتهم لإعادة إحياء ذكريات الطفولة والطقوس الدينية وسط الغربة، مما يمنحهم شعوراً بالألفة والتواصل الاجتماعي والديني، وفي تركيا يعيد رمضان ترتيب المسافات، ليجد المغتربون أنفسهم في مشهد ديني مألوف حيث تتقاطع الطقوس وتتشابه الإيقاعات وتستعيد الروح بعض ما فقدته.
ومع دخول العشر الأواخر، تتكثف هذه التجربة مع ليلة القدر، التي تتحول إلى لحظة جامعة بين الإيمان والحنين، حيث تتحول المساجد إلى فضاءات واسعة تحتضن آلاف المصلين، وتمتد صفوفهم إلى الساحات، وتختلط فيها لغات ولهجات متعددة على دعاء واحد، فتعمل الجاليات العربية على إعادة إنتاج طقوسها الخاصة من قيام الليل وتلاوة القرآن إلى تجمعات السحور التي تحمل نكهة البيوت البعيدة، مما يعكس سعيهم لاستعادة الذات في الغربة ويعتبرونها مناسبة لإعادة وصل ما انقطع مع الذاكرة.
تعتبر تركيا موطنًا لملايين من أبناء الجاليات العربية من جنسيات متعددة، حيث تشير إحصائيات عام 2025 إلى أن عدد اللاجئين والمقيمين العرب يقدر بحدود 2.5 إلى 3 ملايين شخص، أغلبهم من سوريا والعراق وفلسطين، ورغم التقارب الثقافي والعادات الرمضانية المشتركة بين الأتراك والعرب، يحرص القادمون العرب على نقل عاداتهم الخاصة بشهر رمضان إلى المهجر، فقد انتشرت في مدن تركية عدة متاجر ومطاعم عربية تقدم المأكولات والحلويات التقليدية التي يقبل عليها الصائمون.
تشهد الأسواق التي تضم منتجات عربية رواجا خاصا في هذا الشهر، حيث يبحث المغتربون عن أجواء ونكهات تذكرهم ببلدانهم، ومع دخول العشر الأواخر من رمضان، يزداد إقبال العرب على إحياء الليالي المباركة تمامًا كما اعتادوا في أوطانهم، إذ يعتكف العديد في المساجد للتفرغ للعبادة وتحري ليلة القدر، وقد خصصت رئاسة الشؤون الدينية التركية أكثر من ألف مسجد في مختلف أنحاء البلاد لإقامة الاعتكاف.
في إسطنبول وغيرها، تتوافد جموع غفيرة من المصلين إلى المساجد خاصة ليلة 27 من رمضان، حيث تمتد الصلوات والنشاطات طوال الليل بعد الإفطار وصلاة العشاء والتراويح، ويستمر القيام وتلاوة القرآن والأدعية حتى وقت السحور والفجر، وتمنح هذه الأجواء الرمضانية المليئة بالمشاركة والإيمان المغتربين شعورًا بالألفة وتعويضًا عن افتقاد الأهل والوطن، حيث يعبّر كثير من أبناء الجالية عن أن تلك الأجواء تعوضهم جزئيًا عما فقدوه بغيابهم عن بلادهم.
في العاصمة أنقرة، اختار المهندس الفلسطيني حسن القطراوي أن يقضي ليلة القدر داخل مسجد “ساهراي جديد”، حيث يتكثف حضور الجالية العربية في مثل هذه الليالي، وكان اختياره للمكان مدفوعًا برغبة في البحث عن إحساس بالألفة وسط وجوه تتشارك اللغة والذاكرة والعادات، ويقول القطراوي إنه في هذه الليلة المباركة شعر بأنه وسط عائلته الكبيرة رغم بعده عن وطنه، حيث تجمع بين المصلين لغة القرآن والدعاء، مما جعل الأجواء مألوفة والقلوب متصلة.
داخل المسجد، كان المشهد مكتملاً بصفوف ممتدة من المصلين، رجال ونساء وأطفال، ازدحام لا يضيق به المكان بقدر ما يتسع له شعور الألفة، ويستعيد القطراوي لحظة الدعاء في ختام الصلاة بوصفها ذروة التجربة، إذ اختلطت أصوات التضرع بذكريات بعيدة، لكنه رغم الألفة لم يُلغِ شعور الغياب، حيث قال إن روحانية رمضان جمعتهم على قلب واحد، لكنها أعادته إلى ذكريات القيام في مساجد غزة، تلك التي لا يمكن لأي مكان أن يعوضها.
من جهة أخرى، يعبر محمد حسين، وهو فلسطيني يقيم في تركيا منذ أكثر من عشر سنوات، عن أن تجربة رمضان في الغربة تبقى مختلفة، وأقل امتلاءً بالروحانية التي اعتادها في بلده، حيث يشير إلى أن نمط الحياة اليومية يلعب دورًا أساسيًا في هذا الشعور، موضحًا أن وتيرة العمل لا تتغير كثيرًا خلال الشهر، مما يحد من القدرة على التفرغ للعبادة كما ينبغي.
مع ذلك، يؤكد حسين أن ليلة القدر تبقى استثناءً نسبيًا، حيث يحاول المغتربون تعويض ما فاتهم، ويقول إنهم يحاولون إحياء ليلة القدر قدر الإمكان، فهي فرصة لرؤية الأصدقاء واستعادة شيء من الأجواء التي نفتقدها، لكنها تبقى مختلفة بسبب التزامات العمل.
وفي إسطنبول، يتقاطع حكايات المغتربين وتتشكل جاليات عربية واسعة، حيث اختار رجل الأعمال العراقي طاهر سمون أن يقضي ليلة 27 من رمضان في أحد مساجد منطقة كايا شهير، ويعبر سمون عن شعوره بروحانية عالية وكأنه في بلده وبين أهله، حيث يصطف المصلون في هدوء وتنساب الأصوات في تناغم يختصر اختلاف اللغات واللهجات.
ومع تقدم الليل، يتحول المسجد إلى فضاء مفتوح للعبادة واللقاء، حيث يوزع المصلون التمر والحلوى بعد انتهاء الركعات، وعند لحظة الدعاء الجماعي، ارتفعت الأيدي في وقت واحد، وتوحدت الأصوات في رجاء واحد، مما اختزل معنى الليلة.
يصف سمون تلك اللحظة بأنها تعكس الوحدة بين العرب والأتراك، حيث كانوا جميعًا سواسية في السجود والابتهال إلى الله، ومع انبلاج الفجر، انفض الجمع على وقع سلامات متبادلة ووجوه مطمئنة، وقد خرج سمون من المسجد وهو يحمل إحساسًا مختلفًا عن الغربة التي دخل بها، حيث إن تلك الليلة بكل ما حملته من روحانية وألفة، عوضته عن غياب أهله وستبقى واحدة من أكثر ذكرياته حضورا.
ومن أنقرة إلى إسطنبول، تكشف قصص حسن ومحمد وطاهر جانبًا من حكاية أكبر يعيشها آلاف المغتربين العرب في تركيا أثناء رمضان، فرغم اختلاف البلدان التي جاؤوا منها، تجمعهم في الغربة طقوس ومشاعر واحدة في الشهر الفضيل، عبر موائد الإفطار المشتركة وصلوات التراويح والتهجد جماعة في المساجد ومشاركة الذكريات والأدعية، نجح هؤلاء في خلق وطن رمضاني بديل يحتضنهم ويخفف عنهم لوعة البعد.

