مع اقتراب نهاية شهر رمضان، يواجه اللاعبون المسلمون في الملاعب الأوروبية تحديات تتعلق بالحفاظ على لياقتهم البدنية ونشاطهم، حيث يتطلب الأمر إدارة دقيقة للتغذية والترطيب والنوم في ظل ضغط المباريات وذروة الصيام، مما يبرز أهمية هذه الجوانب خلال هذا الشهر الفضيل.

يمثل شهر رمضان تجربة فريدة للاعبين المسلمين على الأصعدة الجسدية والذهنية، حيث يغير الصيام من روتينهم اليومي بما يشمل مواعيد التدريبات وأوقات الراحة والتعافي، بالإضافة إلى مواعيد تناول الطعام والشراب مما يجعل التخطيط الجيد ضرورة ملحة.

هذا الواقع الجديد يدفع الفرق الفنية والطبية إلى البحث عن أفضل الاستراتيجيات لدعم اللاعبين، مما يعزز جاهزيتهم ولياقتهم خلال الشهر المبارك مع مراعاة الخصوصية الدينية وأهميتها بالنسبة لهم.

تتزايد أهمية هذا الموضوع مع بروز العديد من النجوم المسلمين في مختلف الدوريات، إذ يلعبون دورًا محوريًا في قيادة فرقهم نحو تحقيق الألقاب، مما يجعل تأثير الصيام على أدائهم مادة مهمة في وسائل الإعلام، خاصة وأن الشهر الفضيل يتزامن مع منتصف الموسم، وهي فترة حاسمة للأندية التي تتنافس على البطولات.

يعتبر الحفاظ على مستويات الطاقة العالية من أبرز الجوانب التي تحتاج إلى عناية خاصة، حيث يستدعي الصيام لساعات طويلة تنظيمًا دقيقًا لمواعيد التغذية والسوائل لتجنب الإرهاق والجفاف وضمان أفضل مستوى من الجاهزية.

عناصر أساسية لتعزيز التعافي.

يشير البروفيسور فينسنت غوتبارغ، المدير الطبي للاتحاد الدولي للاعبين المحترفين “فيفبرو”، إلى أن هناك ثلاثة عناصر أساسية لتعزيز تعافي اللاعب جسديًا خلال رمضان، وهي التغذية والترطيب والنوم.

يؤكد غوتبارغ على أهمية تناول الرياضيين لثلاث وجبات متكاملة يوميًا، حيث يتناول اللاعبون في رمضان وجبتين رئيسيتين هما السحور والفطور، لذا يُفضل أن تكون الوجبة الأولى غنية بالأطعمة ذات المؤشر الغلايسيمي المرتفع مثل البطاطس والأرز، بينما تحتوي الوجبة الثانية على أطعمة منخفضة المؤشر الغلايسيمي، مع تناول المكملات الغذائية بناءً على استشارة طبيب النادي.

أما بالنسبة للترطيب، فيرى غوتبارغ أنه يجب إيجاد توازن بين شرب السوائل بانتظام والحصول على نوم جيد في الليل.

لحظة توقف مباراة إيفرتون في الدوري الإنجليزي للسماح بإفطار اللاعبين المسلمين.

يضيف غوتبارغ أن استراتيجيات التبريد يمكن أن تساعد في الحد من فقدان السوائل عبر التعرق مثل استخدام المناشف الباردة والمضمضة بالماء، كما أن الاستحمام البارد بعد الحصص التدريبية قد يساعد على تقليل فقدان السوائل، مع أهمية تعويض الصوديوم وتجنب القهوة والشاي.

يتعين على جسم اللاعب التكيف مع “جدول بيولوجي” مختلف خلال شهر رمضان، حيث قد يكون اضطراب النوم هو العامل الأكثر تأثيرًا.

يؤكد غوتبارغ أن الساعة البيولوجية تتغير عما اعتاد عليه اللاعبون، ومع نقص التغذية والترطيب خلال النهار، قد يصبح الأداء على مستوى عالٍ تحديًا حقيقيًا.

يعتقد غوتبارغ أنه لا علاقة للصيام بتحسن الأداء الفني للاعبين، لكنه يعترف بأن البعد الروحي لشهر رمضان قد يكون مصدر إلهام إضافي لتقديم أداء أفضل.

تأثير الصيام على إصابات اللاعبين.

يشير “فيفبرو” إلى أنه لم تُجرَ دراسات طبية كثيرة حول تأثير الصيام على الإصابات، حيث توجد دراستان فقط أجريتا في قطر وتونس، وقد خلصت كل منهما إلى نتائج متباينة بشأن معدل الإصابات خلال رمضان مقارنة بالفترات العادية.

لذا، يستنتج الاتحاد الدولي للاعبين المحترفين أنه لا توجد نتائج قاطعة تفيد بأن اللعب في الشهر الفضيل يزيد من خطر الإصابة، ومع ذلك، ينبغي على اللاعبين والأجهزة الفنية التحلي بالحذر.

يؤكد غوتبارغ على ضرورة أن يكون المدربون على دراية بكيفية تعديل جداول التدريب للاعبين الصائمين، فمثلاً إذا تناول اللاعب وجبة كبيرة قبل شروق الشمس، فمن الأفضل أن يتدرب بعد نحو ثلاث ساعات من الوجبة لضمان إتمام عملية الهضم بشكل مناسب.

كما يضيف أنه إذا خضع اللاعب لتدريب عالي الشدة بعد فترة طويلة من الامتناع عن السوائل والطعام، فإن ذلك لن يكون مفيدًا لأدائه أو صحته، لذا فإن التواصل بين اللاعب والجهاز الفني يعد أمرًا بالغ الأهمية لضمان وجود استراتيجية مشتركة وتعاون مثالي.

إجراءات صحية.

في هذا الإطار، يؤكد خبير التغذية ومدرب اللياقة كاميرون غاف أنه يمكن خوض المباريات خلال شهر رمضان إذا تم اتخاذ الإجراءات الصحيحة، وأهمها إدارة ما يتناوله الرياضي من طعام صحي وسوائل تحميه من الجفاف.

يوضح غاف أن الجفاف يمكن أن يؤدي إلى عواقب خطيرة عند ممارسة الرياضة أثناء الصيام، لذا ينبغي شرب ما بين لتر إلى لتر ونصف من الماء تقريبًا خلال الساعة الأولى بعد الإفطار.

يضيف غاف أنه يُنصح بأن يشارك اللاعب في أي مباراة أو مران بعد ساعتين ونصف إلى ثلاث ساعات على الأقل من تناول الطعام، مشيرًا إلى أن الوجبة الصحية المتوازنة يجب أن تحتوي على دهون وبروتينات وكربوهيدرات خاصة المعقدة مثل البطاطا الحلوة والمعكرونة الكاملة، بالإضافة إلى الفواكه والخضروات والبقوليات.

يؤكد غاف أن الكربوهيدرات المعقدة تتحلل تدريجيًا في الجسم وتمنح طاقة تدوم لفترات أطول.

دعم المدربين والفرق والأطقم الطبية.

يلعب المدربون وزملاء اللاعبين والطواقم الطبية دورًا محوريًا في مساعدة زملائهم على التعامل مع متطلبات الشهر الفضيل، مما يضمن حصولهم على الدعم والإرشاد المناسبين للحفاظ على أدائهم في أفضل مستوى مع احترام التزاماتهم الدينية.

في هذا السياق، أكد الإسباني بيب غوارديولا، مدرب مانشستر سيتي، وجود أخصائيي تغذية يساعدون اللاعبين خلال فترة الصيام.

قال غوارديولا عن اللاعبين المسلمين في صفوف الفريق، وأبرزهم المصري عمر مرموش والجزائري ريان آيت نوري، إنهم ملتزمون بالصيام، ومع ذلك يتأقلمون جيدًا مع زملائهم ومع متطلبات الدوري الإنجليزي الممتاز.

أضاف غوارديولا أنهم معتادون على ذلك ولديهم خبرة طويلة في اللعب خلال هذه الفترة من العام، لذا هم يعرفون كيف يتعاملون مع الأمر، كما أنهم على تواصل دائم مع أخصائيي التغذية والأطباء، مما يساعدهم على تعديل برامجهم وفقًا لما يجب عليهم القيام به.

كيف يتعامل أبرز النجوم مع شهر رمضان؟

يلتزم الفرنسي كريم بنزيمة، نجم اتحاد جدة، بفريضة الصيام خلال شهر رمضان، حيث خاض العديد من المباريات مع فريقه السابق ريال مدريد وهو صائم أو بعد إفطاره في المساء.

من أبرز المباريات التي خاضها بنزيمة تلك التي جمعت ريال مدريد بمضيفه تشلسي على ملعب ستامفورد بريدج يوم 6 أبريل 2022 في ذهاب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا، حيث سجل ثلاثية بعد ربع ساعة فقط من كسر صيامه.

رغم عدم تناول بنزيمة وجبة طعام كافية أو سوائل كما تقتضي الحاجة، إلا أنه تألق بإحراز أهداف فريقه السابق الثلاثة في المباراة.

قبلها بيومين، صرح بنزيمة في مقابلة مع مجلة “إسكواير” الأمريكية بأن رمضان جزء من حياته وأنه يشعر بحال جيدة عندما يكون صائمًا.

برنامج لامين جمال في رمضان.

يحرص برشلونة على تقديم عناية فائقة بالحالة البدنية لنجمه الشاب لامين جمال خلال شهر رمضان، من خلال تطوير خطط غذائية خاصة لتقليل تأثير الصيام.

تشمل الخطط تنظيم وجبات الطعام خلال ساعات المساء مع تجنب تناول الأطعمة الثقيلة في وقت متأخر من الليل، لضمان التغذية السليمة مع مراعاة تعويض السوائل التي يحتاجها الجسم بعد ساعات طويلة من الصيام.

في النظام الغذائي الذي أعده برشلونة، تُعطى الأولوية للكربوهيدرات بطيئة الامتصاص مثل الحبوب والشوفان والأرز والبقوليات والخبز والبطاطس أو البطاطا الحلوة، لضمان طاقة مستدامة.

كما يتم التركيز على البروتين بكثرة مثل السمك والدجاج والزبادي، بالإضافة إلى الدهون الصحية كالمكسرات أو الأفوكادو، ولا يغيب عنصر أساسي في رمضان وهو التمر عند الإفطار.

أما وجبة السحور، فهي ليست كبيرة جدًا على اعتبار أن اللاعبين غالبًا ما يعودون للنوم بعدها لكنها مدروسة بعناية، حيث تحتوي على أملاح معدنية وعصائر ومنتجات ألبان وبيض، إضافة إلى مخفوقات مصممة خصيصًا لتوفير البروتين والمكملات الغذائية بصيغة سهلة الامتصاص.

قال لامين جمال عن روتينه اليومي في رمضان إنه يستيقظ عند الساعة الرابعة صباحًا لتناول الطعام، ثم يمكنه الاستيقاظ متأخرًا عن بقية زملائه لأنه لا يتواجد في وجبة الإفطار الجماعية للفريق.

بعد ذلك، يذهب للتدريب ثم يعود إلى غرفته للصلاة، وهكذا حتى يحين وقت الإفطار، كما يتناول الإلكتروليت للحفاظ على الترطيب لبقية اليوم.

صلاح يغير روتينه.

لم يتردد النجم المصري محمد صلاح في تعديل نظامه التدريبي خلال شهر رمضان، ففي عام 2020 قرر القيام بتمارين رياضية في وقت الفجر، مما اعتبرته بعض التقارير خطوة مبتكرة للحفاظ على لياقته البدنية، خاصة خلال جائحة فيروس كورونا.

في مارس 2025، عدل نادي ليفربول جدول تدريبات الفريق الأول من أجل صلاح وزميله إبراهيما كوناتي بموافقة المدرب الهولندي آرني سلوت، حيث أخذ النادي في عين الاعتبار عدة عوامل قبل اتخاذ هذا القرار مثل أوقات التدريب والنوم والمتطلبات الغذائية الخاصة باللاعبين المسلمين.