مع بداية شهر رمضان المبارك، تتزايد وتيرة الاستهلاك في العديد من الاقتصادات العربية، مما يغير أنماط الإنفاق بشكل ملحوظ، ويطرح تساؤلات عديدة بين رواد الأعمال حول إمكانية استغلال هذه الفترة لإطلاق مشاريع جديدة، أو ما إذا كانت تمثل موسمًا مليئًا بالمخاطر والتكاليف.
تشير البيانات إلى أن رمضان ليس مجرد فترة ارتفاع في الطلب، بل هو دورة اقتصادية قصيرة ومكثفة تعيد ترتيب أولويات الأسر، وتضغط على سلاسل الإمداد، وترفع تكلفة الوصول إلى المستهلك، وفي تقرير صادر عن شركة “إبسوس” لأبحاث السوق حول سلوك المستهلك في رمضان 2024 في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تبين أن 6 من كل 10 مستهلكين يخططون لمشترياتهم مسبقًا خلال الشهر، بينما أفاد 67% بأنهم ينفقون أكثر رغم محاولات ضبط الميزانية، كما أن نحو 40% من المستهلكين يؤجلون المشتريات الكبيرة إلى رمضان للاستفادة من العروض.
هذه الأرقام توفر أساسًا تحليليًا لفكرة إطلاق مشروع خلال رمضان، حيث يتواجد الطلب ولكنه حساس للسعر ومدفوع بالعروض، والمنافسة مرتفعة، ومن المنظور الاقتصادي، يتميز رمضان بكونه شهرا يعاد فيه توجيه السيولة داخل الأسرة، إذ ترتفع مخصصات الغذاء والضيافة والهدايا، مع تراجع نسبي في بعض بنود الإنفاق الأخرى، وقد أظهر تحليل لمعهد ماستركارد للاقتصاد حول إنفاق رمضان في دول الخليج لعام 2024 أن الإنفاق على البقالة ارتفع مع استعداد الأسر المبكر للشهر، مما يعكس تسارعًا في الطلب الاستهلاكي المرتبط بالتحضير المنزلي.
كما أظهرت بيانات صادرة عن شركة “تي جي إم ريسيرش” في السعودية أن 47% من المستهلكين خصصوا جزءًا كبيرًا من ميزانيتهم للطعام والشراب خلال رمضان، وأن 44% يعتزمون زيادة الإنفاق الغذائي مقارنة بالفترات الأخرى، وفي سياق متصل، تشير تقارير صحفية عربية حول التضخم الغذائي في دول مثل مصر والمغرب والأردن، إلى أن أسعار الغذاء تمثل المكون الأكثر تقلبًا في سلة المستهلك، مما يزيد من حساسية السوق لأي مشروع يعتمد على مدخلات غذائية أو لوجستية خلال الشهر، لذلك لا يُنظر إلى رمضان كمجرد فرصة مبيعات، بل كنافذة اقتصادية تتسم بسرعة دوران الطلب وضيق هامش الخطأ.
تشير البيانات إلى أن بعض القطاعات تتواءم هيكليًا مع طبيعة رمضان، مما يجعلها أكثر قابلية لتحقيق اختراق سريع في السوق، حيث يرتفع الإنفاق على الغذاء والضيافة، مما يجعل المشاريع المرتبطة بإعداد الوجبات، وصناديق الإفطار، والحلويات الموسمية، من أكثر النماذج جذبًا، غير أن تقارير “إبسوس” تؤكد في الوقت نفسه أن المستهلك يبحث عن القيمة مقابل السعر، مما يعني أن نجاح المشروع يتوقف على ضبط التكلفة وليس فقط على حجم الطلب، كما تُظهر بيانات “إبسوس” أن نصف المستهلكين تقريبًا ينتظرون عروض رمضان، مما يجعل نموذج الإطلاق المعتمد على “عرض مركزي واضح” أكثر فعالية من إطلاق تشكيلة واسعة غير مدعومة بحافز شرائي، بالإضافة إلى أن سلوك التسوق الرقمي يتغير خلال رمضان، مع ارتفاع التفاعل والاكتشاف عبر المنصات الرقمية، مما يعزز من فرص المشاريع التي تعتمد على الطلب عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو تطبيقات التوصيل، بشرط تقليل الاحتكاك في عملية الشراء.
رغم ارتفاع الطلب، تكمن المخاطرة الأساسية في إدارة التدفق النقدي، حيث تُدفع تكاليف المخزون، والتغليف، والإعلانات، والعمالة الموسمية مقدما، بينما قد تتأخر الإيرادات، خاصة في ظل المنافسة السعرية، ويشير محللون في قطاع التجزئة إلى أن رمضان يشهد غالبًا ارتفاعًا في حركة الشراء أسرع من ارتفاع الهوامش الربحية نتيجة كثافة العروض الترويجية وارتفاع كلفة الإعلانات، كما أن الطلب ينخفض نسبيًا بعد العيد، مما يترك بعض المشاريع أمام مخزون غير مباع أو التزامات مالية قصيرة الأجل، لذلك لا يُقاس نجاح مشروع رمضان بحجم مبيعاته خلال الشهر فقط، بل بقدرته على الاحتفاظ بجزء من عملائه بعد انتهاء الموسم.
رغم الزخم الاستهلاكي الذي يميز رمضان، فإن نجاح أي مشروع جديد لا يتحدد بحجم الطلب وحده، بل بكيفية إدارة الإطلاق ضمن دورة زمنية قصيرة ومكثفة، فالمعادلة لا تقوم على الاندفاع نحو السوق، بل على بناء منظم يستند إلى التحضير المسبق، والانضباط التشغيلي، وخطة واضحة لما بعد الموسم، ومن هنا، يمكن تفكيك عملية الإطلاق الناجح لأي مشروع في رمضان إلى نموذج منهجي من ثلاث مراحل مترابطة.
أولًا: ما قبل رمضان.. تثبيت الأساس، حيث ينصح خبراء الأعمال الصغيرة ببدء التحضير قبل رمضان بأربعة إلى ستة أسابيع، عبر تثبيت عقود التوريد، واختبار الطلب عبر الطلبات المسبقة، وبناء حضور رقمي واضح، وتحديد عرض واحد رئيسي بدل تعدد المنتجات
ثانيًا: أثناء الشهر .. التركيز والانضباط، يُفضل في مرحلة الإطلاق خلال رمضان التركيز على منتج واحد أو حزمة رئيسية واضحة القيمة، بدل تشتيت الجهد عبر تشكيلة واسعة يصعب ضبطها تشغيليًا، فالسوق في هذا الشهر سريعة الإيقاع، وأي خلل في التنفيذ ينعكس مباشرة على السمعة، خاصة في ظل المنافسة المرتفعة وسرعة تداول التقييمات عبر المنصات الرقمية، لذلك، يساعد تبسيط العرض على تحسين إدارة المخزون، وضبط التكلفة، وضمان جودة متسقة في كل طلب، كما ينبغي تحديد نطاق جغرافي واقعي للتوصيل يتناسب مع القدرة التشغيلية الفعلية، وتجنب التوسع المبكر بدافع الاستفادة من ذروة الطلب، فالتوسع غير المحسوب قد يؤدي إلى تأخير في التسليم أو تراجع في مستوى الخدمة، وهو ما يضغط على الثقة ويؤثر على إمكانية الاحتفاظ بالعملاء بعد انتهاء الموسم، وبالتالي، فإن الانضباط في الأسابيع الأولى غالبًا ما يكون أكثر جدوى من النمو السريع غير المنظم
ثالثًا: ما بعد العيد .. تحويل الموسمية إلى استدامة، يُنظر إلى رمضان في هذا السياق كمرحلة تأسيس لقاعدة عملاء يمكن البناء عليها لاحقًا، لا كفترة تحقيق أرباح سريعة فقط، فارتفاع نية الشراء وكثافة التفاعل مع العلامات التجارية خلال الشهر يتيحان فرصة لاكتساب عملاء جدد واختبار سلوكهم الشرائي، من حيث التكرار ومتوسط قيمة الطلب وتفضيلات المنتج، وتكمن الخطوة الأهم بعد ذلك في تحويل هذا الزخم الموسمي إلى علاقة مستدامة، عبر تصميم آليات احتفاظ مثل الاشتراكات الدورية، أو برامج الولاء، أو العروض المخصصة لما بعد العيد، والهدف هنا هو نقل المشروع من منطق “البيع الموسمي” إلى نموذج يولد تدفقًا نقديًا أكثر استقرارًا، ويقلل الاعتماد على الذروات المؤقتة في الطلب
تكشف البيانات الصادرة عن “إبسوس” ومعهد ماستركارد للاقتصاد وشركات أبحاث السوق أن رمضان يمثل ذروة في نية الشراء والانتباه الإعلاني، لكنه في الوقت نفسه موسم تنافسي عالي التكلفة، لذلك، فإن إطلاق مشروع ناجح في رمضان ليس قرارًا عاطفيًا، بل قرارًا اقتصاديًا يعتمد على اختيار قطاع يتماشى مع أنماط الإنفاق الموسمية، وإدارة دقيقة لرأس المال العامل، وعرض واضح مدعوم بالقيمة، وخطة احتفاظ لما بعد العيد، مما يعني أن رمضان، بهذا المعنى، ليس ضمانًا للنجاح، بل اختبارًا مكثفًا لقدرة المشروع على العمل تحت ضغط السوق.

