صدر الصورة، Getty Images.

التعليق على الصورة، مسحراتي مصري، في أحد احياء القاهرة القديمة، يدعو النائمين للاستيقاظ وتناول وجبة السحور (مارس/آذار 2025).

تعتبر شخصية المسحراتي من الرموز الثقافية المرتبطة بشهر رمضان المبارك في العالم الإسلامي، حيث يطلق المسحراتي نداءاته قبيل الفجر، مستخدماً أهازيج وعبارات تختلف من منطقة لأخرى، بهدف تنبيه الصائمين إلى موعد السحور وإضفاء روح إيمانية على ليالي الشهر الكريم، مما يعكس تفاعل المجتمعات مع الطقوس الدينية والاجتماعية عبر الزمن.

تعود جذور الكلمة “مسحراتي” إلى “السحر”، وهو الوقت الذي يسبق الفجر، حيث يتناول المسلمون وجبة السحور، وقد اشتقت الكلمة من الفعل “سحّر” الذي يعني إيقاظ الناس في هذا الوقت، ومع تطور الاستخدام الشعبي في مصر وبلاد الشام، أضيفت اللاحقة “ـاتي” للدلالة على صاحب الحرفة، ليصبح الاسم “مسحراتي”، أي الشخص الذي يوقظ الناس للسحور.

على الرغم من بساطة مهمته، فإن شخصية المسحراتي تحمل دلالات عميقة في التاريخ الإسلامي، حيث لم يكن مجرد منبه بشري، بل تجسد رمزاً ثقافياً وروحياً يجسد روح رمضان وعمق العلاقات الاجتماعية بين السكان في الأحياء.

وقد كان للمسحراتي حضور بارز في الأدب والفن العربي، حيث تجلت صورته في الأغاني والمسلسلات والقصص الشعبية، ومنها أعمال الشاعر فؤاد حداد والملحن سيد مكاوي، مما ساهم في تثبيت عباراته في الذاكرة الجمعية.

ويشير مصطفى عيد أحمد في كتابه “المسحراتي” إلى أن هذه المهنة تطورت في مصر، حيث انتقل المسحراتي من استخدام العصا والقنديل إلى حمل الطبلة، مما جعله أكثر وضوحاً في الأحياء، كما ارتبط فانوس رمضان بالمسحراتي، حيث كان الأطفال يحملون الفوانيس حوله ليلاً ويغنون “حلو يا حلو، رمضان كريم يا حلو”.

صدر الصورة، Getty Images.

أصل الحكاية.

تعود جذور هذه الممارسة إلى العصور الإسلامية الأولى، حيث كان بلال بن رباح، أول مؤذن في الإسلام، يعلن ليلاً عن قرب حلول الفجر، مما يتيح للناس تناول السحور، بينما كان عبد الله بن أم مكتوم ينبههم بدخول وقت الفجر، وهو ما يتضح من روايات تاريخية تشير إلى أهمية هذه الإعلانات.

كما يذكر بعض المؤرخين أن أول تنظيم يشبه المسحراتي ظهر في العصر العباسي، حيث كان والي مصر العباسي يدعو الناس للسحور بقوله “تسحروا فإن في السحور بركة”، مما يعكس اهتمام السلطات بتنظيم الحياة اليومية خلال شهر رمضان.

ومع مرور الزمن، تحولت مهمة إيقاظ الناس من نشاط يقوم به الحاكم أو موظف رسمي إلى مهنة شعبية ذات طقوس محددة، حيث شهد العصر الفاطمي تنظيمات تشجع السكان على النوم مبكراً بعد صلاة التراويح، بينما كانت العصور اللاحقة تشهد ظهور شخصيات متخصصة في هذه المهمة، مما جعلها جزءاً من الحياة اليومية في شهر رمضان.

وفي العهد المملوكي، كادت هذه المهنة تختفي، ولكن السلطان الظاهر بيبرس أعاد إحيائها، حيث كلف رجال الدين بالدق على أبواب البيوت لإيقاظ السكان، مما أدى إلى ظهور مجموعة منظمة من المسحراتية التي ارتبطت بحمل الطبلة الصغيرة أثناء السير في الأزقة.

بحسب المؤرخ البريطاني إدوارد لين، كان مسحراتي العصر العثماني يجوب الشوارع ويضرب على الطبل ثلاث مرات قبل أن ينشد عبارات تقليدية، مما كان يضفي جواً من البهجة على ليالي رمضان، حيث كان الأطفال يتبعونه ويشاركون في هذه الأجواء.

وفي القرن التاسع عشر، شهدت مهنة المسحراتي تطوراً ملحوظاً في مصر والسودان، حيث كان المسحراتي يجوب الأزقة برفقة طفل يحمل فانوساً، وكان على معرفة بأهالي الحي، مما كان يعزز من أجواء رمضان.

ويشير أحمد المنزلاوي في كتابه “شهر رمضان في الجاهلية والإسلام” إلى أن بعض الأسر تخصصت في هذه الحرفة، حيث امتدت عبر الأجيال، كما دخلت النساء في بعض الأحيان إلى هذا المجال، مما يعكس تنوع الممارسات المرتبطة بالمسحراتي.

“أبو طبيلة”.

صدر الصورة، Getty Images.

التعليق على الصورة، المسحر غفران محمود في الموصل في العراق وهو يلتقط صورة سيلفي مع صبية محليين (مارس/آذار 2025).

في العصر الحديث، شهدت مهنة المسحراتي بعض التغيرات في أدواتها وأساليبها، حيث أصبح البعض يستخدم الدراجات للتنقل، كما استخدمت مكبرات الصوت في بعض الحالات، مما يعكس تطور هذه المهنة مع الزمن.

ويعتبر الفنان الراحل سيد مكاوي من أبرز من قدم شخصية المسحراتي في العصر الحديث، حيث ساهمت فقراته الإذاعية في تجديد صورة المسحراتي في الوعي المعاصر، مما يعكس أهمية هذه الشخصية في الثقافة الشعبية.

وفي بعض الدول العربية، تطور شكل هذه الممارسة، حيث تحول المسحراتي في بعض الحالات إلى مجموعة صغيرة تؤدي أناشيد جماعية وتستخدم الآلات الإيقاعية أثناء تجوالها في الشوارع، مما يعكس تنوع الثقافات في العالم العربي.

تختلف تسميات المسحراتي من بلد لآخر، ففي مصر وبلاد الشام يُعرف باسم “المسحراتي”، بينما يُطلق عليه في دول الخليج “أبو طبيلة”، وفي العراق يُعرف بـ”المسحرجي”، وفي اليمن يُطلق عليه أحياناً “المفلح”، وفي لبنان قد يسمى “الطبال”، مما يعكس التنوع الثقافي واللغوي في المنطقة.

أما في المغرب العربي، فتتعدد التسميات مثل “النفار” في المغرب و”بوطبيلة” في تونس والجزائر، وفي ليبيا يُعرف أحياناً باسم “النوبادجي”، ورغم اختلاف الأسماء، فإن الدور يبقى واحداً، وهو إيقاظ السكان لتناول السحور قبل الفجر.

ومع انتشار الساعات والمنبهات، تراجع الدور الفعلي للمسحراتي، حيث تشير تقارير إلى أن هذه المهنة تواجه خطر التراجع بسبب تغير أنماط الحياة، ولكن لا يزال المسحراتي رمزاً تراثياً في بعض المدن، خاصة خلال الفعاليات الثقافية والسياحية.

وقال أحد المسحراتية المخضرمين في سوريا: “المنبه يوقظ الجسد، لكن طبلتي توقظ الروح، فعندما تسمع نقراتها تتذكر جدك وطفولتك وكرم هذا البلد”، مما يعكس أهمية هذه الشخصية في الذاكرة الثقافية.

وأشار الباحث الاقتصادي أحمد آدم إلى أن مهنة المسحراتي، رغم تراجعها في المدن الكبرى، ما زالت مستمرة في القرى بوصفها جزءاً من التراث المحلي، حيث تمثل هذه المهن جزءاً من المشهد الاجتماعي والثقافي في رمضان.

تعتبر قيمة هذه المهن مرتبطة بالطقوس الاجتماعية والثقافية، حيث تعكس العلاقات الإنسانية وتفاعل المجتمعات خلال الشهر الفضيل، مما يجعلها جزءاً من الهوية الثقافية للمجتمعات.

رمز ثقافي.

صدر الصورة، Getty Images.

التعليق على الصورة، قطريون يؤدون دور المسحراتي حيث يقرعون الطبول ويغنون الأناشيد الشعبية لإيقاظ السكان لتناول وجبة السحور (فبراير/شباط 2023).

لم يكن المسحراتي مجرد شخص يؤدي مهمة محددة، بل كان جزءاً من الحياة الاجتماعية في ليالي رمضان، حيث كان حضوره يعزز شعور الأمان بين السكان، ويعكس المشاركة الجماعية في أجواء الشهر المبارك.

ارتبطت به أيضاً عادات اجتماعية مثل تقديم “العيدية” له في نهاية رمضان، حيث كان يتلقى طعاماً أو مبالغ مالية من سكان الحي، مما يعكس العلاقة المتبادلة بينه وبين المجتمع المحلي.

ويشير تقرير نشرته وكالة الأنباء السورية إلى أن دور المسحراتي لم يقتصر على إيقاظ الناس، بل ارتبط بممارسات اجتماعية أخرى، حيث كان بعض المسحراتية يحملون سلة صغيرة لجمع الطعام من الميسورين وتوزيعها على الفقراء، مما يعكس روح التضامن الاجتماعي.

كما كان للمسحراتي دور ترفيهي، حيث كان صوته وأسلوبه يضفيان أجواء من البهجة، مما جعل الأطفال يتبعونه ويرددون خلفه الأهازيج، مما يعكس أهمية هذه الشخصية في الحياة اليومية.

لا يزال صوت المسحراتي يثير مشاعر الحنين لدى الكثيرين، حيث يرتبط بذكريات الطفولة والعلاقات الاجتماعية في الأحياء القديمة، ومع تغير أنماط الحياة، أصبح ظهوره اليوم أقرب إلى عرض ثقافي يرمز إلى أجواء رمضان.

يعكس حضور المسحراتي إيقاع الحياة الخاص خلال شهر رمضان، حيث تتغير مواعيد النشاط اليومي، مما يجعل هذه الشخصية رمزاً ثقافياً مرتبطاً بليالي رمضان، حيث استمر التقليد عبر القرون بأشكال متعددة تعكس تفاعل المجتمع مع العادات الرمضانية.

ورغم التغيرات التي طرأت على أنماط الحياة الحديثة، لا يزال المسحراتي حاضراً في بعض المدن والفعاليات التراثية، مما يعكس قوة التقاليد الاجتماعية المرتبطة برمضان وقدرتها على البقاء.