مع اقتراب لحظة الغروب، وقبل أن يصدح أذان المغرب بدقائق، تتجه الأنظار إلى كورنيش النيل بسوهاج حيث يقف مدفع رمضان شامخًا، كأنه حارس للذاكرة الشعبية، يعلن أول يوم وكل يوم أن موعد فرحة الصائم قد حانت.

أكثر من قرن من الحكايات

يتجاوز عمر مدفع رمضان في سوهاج حاجز المائة عام بعدة أعوام، لكنه لا يزال يحتفظ بهيبته وخصوصيته، جامعًا حوله الصغار قبل الكبار، والمسلمين قبل الأقباط، الذين يحرصون على مشاركة أجواء اللحظة الرمضانية، والتقاط الصور التذكارية بجواره، في مشهد يعكس وحدة النسيج المجتمعي مع قدوم الشهر الكريم.

لحظة انتظار لا تشبه سواها

قبل نصف ساعة من أذان المغرب، يبدأ المسؤول عن المدفع في الاستعداد، فيقوم بتنظيفه وتلميعه بعناية، ثم يضع القذيفة داخل ماسورته، ويوصل دائرة الكهرباء التي تعمل بالبطارية، بينما تتجمع العشرات، ثم المئات، من الأهالي، يرفعون هواتفهم المحمولة استعدادًا لتوثيق اللحظة التي لا تتكرر إلا مرة واحدة يوميًا، ومع أول ثانية من أذان المغرب، يدوي صوت المدفع في سماء المدينة، فتتعالى صيحات الفرح، وتختلط الضحكات بنبض الحنين، قبل أن ينصرف الجميع سريعًا إلى منازلهم لتناول الإفطار، وقد امتلأت القلوب ببهجة جماعية لا تخطئها العين.

من صوت الحرب إلى إعلان السلام

يحمل مدفع رمضان مفارقة تاريخية لافتة، فالقذيفة التي كانت يومًا رمزًا للخوف والدمار في أوقات الحروب، تحولت في زمن السلم إلى مصدر للطمأنينة والفرح، وصارت إعلانا يوميًا عن لحظة روحانية ينتظرها الصائمون بشغف.

كورنيش النيل.. مسرح الحكاية

ينقل المدفع قبل قدوم شهر رمضان إلى موقعه المميز على كورنيش النيل بواسطة سيارة نصف نقل، ويتم توجيه ماسورته ناحية النهر، ليكتمل المشهد البصري الساحر حيث يمتزج صوت المدفع بجريان النيل وصورة الغروب، في لوحة رمضانية تلامس الوجدان.

رغم التكنولوجيا.. المدفع حاضر

ورغم التطور الهائل في وسائل الإعلام والتكنولوجيا، لا يزال مدفع رمضان في سوهاج محتفظًا بمكانته وشعبيته، حيث يلتف الأهالي حوله بشكل عفوي، ويحرصون على التقاط الصور التذكارية، وكأنهم يوثقون صفحة جديدة من كتاب الذاكرة الشعبية كل يوم.

جذور تاريخية تعود للقاهرة

وتعود أولى حكايات مدفع الإفطار إلى القاهرة، حين أطلق السلطان المملوكي خشقدم مدفعًا جديدًا عام 865 هـ، تصادف إطلاقه مع غروب شمس أول أيام رمضان، فظن الناس أنه إعلان رسمي لموعد الإفطار، وأعربوا عن سعادتهم بهذه “البدعة الحسنة”، التي تحولت لاحقًا إلى تقليد يومي، وتروي روايات أخرى أن العادة ترسخت في عهد الخديوي إسماعيل، حين انطلقت قذيفة بالخطأ أثناء تنظيف أحد المدافع وقت المغرب، لتصدر بعدها الحاجة فاطمة، ابنة الخديوي، فرمانًا بإطلاق المدفع عند الإفطار والسحور والإمساك.

ذاكرة لا تغيب

وفي سوهاج، يبدأ الاستعداد لمدفع رمضان قبل حلول الشهر بأسبوعين، حيث تتم صيانته وتجهيزه ليظل شاهدا حيًا على تراث طويل، لا يعلن فقط عن موعد الإفطار، بل يجسد لحظة فرح وجمعة عائلية ورابطة إنسانية، تصل الماضي بالحاضر، وتحمل للأجيال الجديدة عبق التاريخ وروح رمضان.

المدفع بميدان جمال عبدالناصر

المدفع فى طريقه لمكانه على الكرونيش

سيارة الشرطة تجر المدفع.