اليوم السبت العاشر من رمضان يوافق ذكرى نصر العزة والكرامة، حيث نحتفل في العام الثالث والخمسين من هذا النصر، والذي تحقق في العاشر من رمضان عام 1393 هجريًا، الموافق السادس من أكتوبر عام 1973، وهو يوم يحمل دلالات تاريخية عميقة بالنسبة للأمة العربية والإسلامية.
تعتبر ذكرى نصر أكتوبر المجيد من الأيام المباركة في رمضان، حيث يمثل انتصارًا من الله للأمة الإسلامية، ويأتي في سياق انتصارات تاريخية أخرى مثل غزوة بدر الكبرى وفتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، مما يعكس روح الإيمان التي تميزت بها هذه الأحداث.
يبقى نصر أكتوبر رمزًا للعزة والكرامة، فهو محطة فارقة في التاريخ العربي الحديث، حيث استعاد الشعب ثقته في قدرته على الفعل والمبادرة بعد سنوات من مرارة الهزيمة في عام 1967، وقد تمثل ذلك في استعادة الروح للجيش المصري خلال حرب الاستنزاف، وفي العاشر من رمضان عبرت القوات المسلحة المصرية قناة السويس، وحطمت خط بارليف، مما أثبت أن الإرادة المدعومة بالتخطيط والعلم قادرة على تغيير موازين القوى، وقد قاد الحرب الرئيس الراحل محمد أنور السادات، حيث جاء توقيت الهجوم في الثانية ظهرًا، في يوم العاشر من شهر رمضان، ليعكس دلالات رمزية تعزز من عزيمة الجنود خلال المعركة.
لم يكن تحطيم خط بارليف إنجازًا عسكريًا فحسب، بل كان كسرًا لحاجز نفسي عانى منه المصريون والعرب لسنوات طويلة، إذ استخدمت القوات المصرية خراطيم المياه لفتح الثغرات في الساتر الترابي، في ابتكار هندسي بسيط لكنه فعال، مما يعكس قدرة العقل المصري على تحويل الإمكانات المتاحة إلى أدوات للنصر، وخلال ساعات قليلة، ارتفعت الأعلام المصرية على الضفة الشرقية للقناة، وسقطت أسطورة «الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر».
من كرم الله لمصر والمصريين جاء النصر في شهر رمضان المبارك، ليعيد إلى الذاكرة انتصارات تاريخية كبرى ارتبطت بهذا الشهر الكريم، وفي مقدمتها غزوة بدر الكبرى التي وقعت في العام الثاني للهجرة، حين انتصر المسلمون بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم رغم قلة العدد والعدة، كما شهد رمضان فتح مكة الذي شكل تحولًا استراتيجيًا في مسار الدعوة الإسلامية، مما جعل الشهر يرتبط في الوعي الجمعي بمعاني الصبر والثبات والتحول التاريخي.
إن الربط بين نصر أكتوبر وانتصارات رمضان عبر التاريخ لا يعني إسقاط التجارب على بعضها البعض، بل يؤكد أن لحظات التحول الكبرى غالبًا ما تولد في أوقات الشدة، ففي عام 1973 لم يكن الهدف مجرد تحرير أرض، بل استعادة ثقة شعب بأكمله في نفسه وجيشه ودولته، وقد مهدت نتائج الحرب لاحقًا لمسار سياسي انتهى باتفاقية كامب ديفيد واستعادة سيناء كاملة.
يظل العاشر من رمضان رمزًا للوحدة الوطنية، حيث توحدت الجبهة الداخلية خلف القوات المسلحة، وشارك الشعب بجهده ووعيه وصبره، كما كان النصر نتاج تنسيق عربي، خاصة مع الجبهة السورية التي خاضت الحرب بالتزامن على جبهة الجولان، مما أكد أن التضامن العربي يمكن أن يصنع فارقًا حقيقيًا في لحظات المصير.
وفي كل عام، حين يهل شهر رمضان، يستعيد المصريون والعرب ذكرى تلك اللحظة التي عبر فيها الجنود القناة وهم يرددون «الله أكبر»، في مشهد تختلط فيه الروحانية بالفعل العسكري، والإيمان بالعمل، والتخطيط بالتضحية، مما يؤكد أن النصر ليس صدفة، بل نتيجة إعداد طويل، وإرادة لا تنكسر، وإيمان بأن الحق يحتاج إلى قوة تحميه.
وهكذا يظل نصر العاشر من رمضان صفحة مضيئة في سجل الأمة، ودليلاً على أن التاريخ تصنعه الشعوب حين تتسلح بالعلم والإرادة والوحدة، وأن شهر رمضان، عبر العصور، كان دومًا شهر الصبر والعمل والتحولات الكبرى.
نقلًأ عن مجلة روزاليوسف

