مع اقتراب نهاية شهر رمضان المبارك، يتجدد النقاش حول مدى اختلاف موعد ليلة القدر بين الدول، حيث تثير مواعيد بداية الشهر الكريم، التي قد تختلف بين بعض البلدان الإسلامية، جدلًا سنويًا بين المسلمين، خاصة عندما يبدأ بعض الدول صيام رمضان في يوم يختلف عن غيرها.
يرتبط هذا التساؤل بشكل رئيسي باختلاف رؤية هلال شهر رمضان بين الدول، حيث تعتمد بعض البلدان على الرؤية المحلية للهلال، بينما قد تعلن دول أخرى ثبوت الرؤية في توقيت مختلف، مما يؤدي إلى اختلاف بداية الشهر بيوم واحد في بعض الأحيان، وبالتالي قد تحمل الليلة نفسها رقمًا مختلفًا بين البلدان، رغم أنها في حقيقتها واحدة.
اختلاف ترقيم الليالي
يوضح العلماء أن اختلاف بداية شهر رمضان يؤدي إلى اختلاف ترقيم الليالي بين الدول، فإذا بدأ رمضان في دولة قبل أخرى بيوم، فإن ليلة 27 في الدولة الأولى توافق ليلة 26 في الدولة الثانية، رغم أن التوقيت الفعلي لهذه الليلة واحد من الناحية الكونية.
وفي هذا السياق، أشار الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إلى أن هذا الأمر مرتبط بطبيعة الأرض نفسها، حيث إن الأرض كروية ويتعاقب عليها الليل والنهار في أوقات مختلفة، مما يجعل من الصعب أن تتفق جميع دول العالم على بداية ونهاية ليلة واحدة في توقيت واحد.
وأضاف أن هذا الاختلاف لا يقتصر على ليلة القدر فقط، بل يشمل كل العبادات المرتبطة بزمن معين، مثل الصلوات الخمس ووقت الصيام والإفطار والعيد، حيث يلتزم كل بلد برؤية الهلال والتوقيت الخاص به.
ليلة القدر «واحدة» حتى لو اختلف ترقيمها
يؤكد العلماء أن ليلة القدر هي في حقيقتها واحدة، لكنها قد تختلف في رقمها بين البلدان نتيجة لاختلاف بداية الشهر، ولهذا حثّ النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على تحريها في العشر الأواخر من رمضان، وخاصة في الليالي الوترية، مما يشجع المسلم على الاجتهاد في العبادة دون الاقتصار على ليلة بعينها.
تشير وزارة الأوقاف إلى أن اختلاف مطالع الهلال بين البلدان هو أمر معتبر شرعًا وواقعًا، مما يؤدي إلى اختلاف بداية الشهور العربية بين الدول، وبالتالي قد تختلف أرقام الليالي من بلد لآخر، فإذا كانت ليلة 27 في دولة ما، فقد توافق ليلة 26 أو حتى 25 في دولة أخرى بدأت الصيام متأخرة بيوم أو يومين.
تحري ليلة القدر في جميع الدول
يرى بعض أهل العلم أن لكل بلد ليلته بحسب توقيت غروب الشمس وطلوع الفجر لديه، حيث يشترك المسلمون في جزء من الليل مع غيرهم من البلدان، لكن تنتهي الليلة عند كل بلد بطلوع الفجر فيه، ونظرًا لطبيعة حركة الأرض، قد تمتد ليلة القدر على مستوى العالم لما يقارب 24 ساعة، بحيث يدركها كل بلد في جزء من هذه المدة بحسب توقيته المحلي.
تشير دار الإفتاء إلى أن العلماء اختلفوا في تحديد ليلة القدر، كما اختلفت الروايات الواردة بشأنها، ولذلك جمع بعض أهل العلم بين هذه الروايات بالقول إنها تتنقل بين ليالي العشر الأواخر من رمضان، وهو ما يفسر ورود أحاديث تشير إلى ليالٍ مختلفة.
ويؤكد العلماء أن الأصل في العبادات المرتبطة بالزمن هو اتباع رؤية الهلال في البلد الذي يقيم فيه المسلم، فإذا اختلفت بداية رمضان بين الدول، فقد يختلف رقم الليلة التي يرجى أن تكون ليلة القدر، بينما تظل الليلة في حقيقتها واحدة.
لهذا يوصي العلماء بالاجتهاد في جميع ليالي العشر الأواخر، خاصة الليالي الوترية، حتى يدرك المسلم فضل ليلة القدر دون أن ينشغل كثيرًا بتحديد رقمها الدقيق.

