يعتبر شهر رمضان من الفترات السنوية التي تحمل طابعًا خاصًا في حياة الأسر، حيث تتزين البيوت بأجواء روحانية وتعلو أصوات الدعاء قبل أذان المغرب، لكن بالنسبة للبعض، يأتي الشهر الكريم محملًا بالذكريات الحزينة، حيث تظل مقاعد خالية على موائد الإفطار، مما يعكس غياب أحبائهم الذين تركوا أثرًا عميقًا في قلوبهم.

في حي العمرانية، تعيش رحاب جاد لحظات أذان المغرب بحسرة، إذ تتذكر والدها الذي كان يرفع يديه بالدعاء، وتسترجع تفاصيل كانت تُعتبر عادية، لكنها أصبحت الآن علامات على الفقد، مثل طبق كان يُعد خصيصًا له ومكانه المعتاد على المائدة، مما يذكرها بعمق الفراغ الذي تركه غيابه.

تقول رحاب: «الفقد في رمضان له طعم مختلف، حيث يكشف الشهر الذي يجمع العائلة عن حجم الفراغ الذي تركه الراحلون، مما يجعل لحظات الدعاء تتحول إلى لحظات حزينة»، مشيرة إلى أن هذه الأوقات أصبحت بمثابة اختبار صامت للقلب، حيث يتداخل الحزن مع الذكريات الجميلة.

يأتي رمضان هذا العام بخطوات هادئة، لكنه بالنسبة لمن فقدوا أحباءهم مؤخرًا، يثير جروحًا لم تلتئم بعد، إذ لا يقتصر على الصيام عن الطعام والشراب، بل يتعدى ذلك إلى فقدان الضحكات والمشاركة في اللحظات السعيدة.

أحمد راضي، الذي فقد والدته في بداية العام، يجلس وحيدًا على مائدة الإفطار، وهو يتذكر اللحظات الجميلة التي كانت تجمعهم، ويعبر عن ألم الفقد الذي يرافقه في كل ركن من أركان البيت، ويدرك أن كل لحظة أذان تذكره بالمقعد الفارغ الذي كان يشغله والدته.

تقول منى سامي، التي فقدت والدها منذ أشهر، إن أصعب اللحظات هي مرور أول رمضان بعد الفقد، حيث تشعر بفقدان الصوت الذي كان يملأ البيت حياة، وتحرص على السير على خطى والدها في تقديم المساعدة للآخرين، مما يمنحها شعورًا بالراحة.

الحزن الذي يسبق أذان المغرب أصبح شعورًا مشتركًا بين من يمرون بتجربة رمضان الأول بعد الفقد، حيث تتحول الطقوس التي كانت مصدر سعادة إلى محفزات للألم، مثل فنجان القهوة الذي كان يشربه الأب أو طريقة إعداد الشوربة، مما يجعل الأبناء يترددون في تغيير تلك التفاصيل.

من جهتها، تشير الدكتورة إيمان ممتاز، استشارية الصحة النفسية، إلى أن فقدان شخص عزيز يغير من طقوس رمضان بشكل عميق، حيث تبرز الذكريات بقوة، مما يؤدي إلى مشاعر الحزن والاشتياق، وقد يترافق ذلك مع شعور بالذنب، لكن تلك المشاعر طبيعية وتعكس عمق المحبة.

تؤكد ممتاز على أهمية التعبير عن المشاعر وعدم كبت الحزن، حيث أن ذلك يساعد على تخفيف الألم، وتوصي بتحويل الذكريات إلى أعمال خيرية، مما يمنح شعورًا بالاستمرار الروحي، كما تنصح بالحفاظ على روتين يومي متوازن لتحسين الصحة النفسية، وفي حالة استمرار الحزن بشكل يؤثر على الحياة اليومية، من المهم طلب المساعدة من مختص نفسي.

أما الدكتور محمد علي، الداعية الإسلامية، فيشير إلى أهمية الصبر كوسيلة للتعامل مع الفقد، مستشهدًا بالآيات القرآنية التي توضح أن الصبر أجره عظيم، ويؤكد على ضرورة تقبل قضاء الله وقدره، مشددًا على أن الصبر يساهم في تحقيق السلام الداخلي.

كما يذكر علي قول النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف الفقد، مما يعكس أهمية الاقتداء به في التعامل مع الأحزان والمصائب، حيث يعتبر ذلك طريقًا لتحقيق السعادة والراحة النفسية في أوقات الشدة.