حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة اليوم تحت عنوان “استقبال شهر رمضان” حيث يهدف هذا الموضوع إلى تعزيز الوعي بأهمية الشهر الفضيل والإقبال على القرآن الكريم واستقباله بالفرح والسرور مع ضرورة مراعاة نظافة البواطن والظواهر والشوارع والمساجد.

استقبالُ شهرِ رمضان
الحمد لله الذي منح عباده مواسم الطاعات وجعلها محطات لتزكية النفوس وإقالة العثرات نحمده سبحانه حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله اللهم صل وسلم وبارك على هذا النبي الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحابته الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد فيا عبد الله.

١- أحسن استقبال شهر رمضان فهذا شهرك المعظم الذي تهيئ فيه نفسك المشتاقة لاستقبال فيض الحق فتتصل فيه بالسماء ويستجاب فيه دعاؤك أقبل عليه فهو ميدان تخلية قلبك من كدر الأغيار وتحليته بجواهر الأذكار تتجلى فيه أمام بصيرتك الحقيقة المحمدية في أبهى صورها وينكشف لك وأنت صائم من لطائف القرآن ما لا ينكشف في غيره وتغدو ساعاتك فيه معراجًا لروحك حيث ترقى فيه من مقام الإسلام إلى مقام الإيمان وصولًا إلى ذروة الإحسان إنه موسم ضيافتك الإلهية ومستقر سكينتك الرحمانية ليكون لك هدى ولقلبك نورًا فالموفق من جعل من كل لحظة في هذا الشهر بابًا يطرقه للوصول إلى مرضاة الله مقبلًا على مأدبة القرآن الكريم التي شرف الله بها هذا الزمان الشريف مستحضرًا قول الحق سبحانه: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾

٢- أحسن استقبال شهر رمضان فإنه شهر مبارك اصطفاه الله لك ليكون جلاءً لصدرك وريًا لروحك من فيض القرب فقد فرض الله عليك صيامه وجعله لك ميقاتًا لترميم انكسارات نفسك والترقي في منازل المحبة حيث “تُفَتَّحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغَلَّقُ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ” لتصفو لك العبادة وتتهيأ لفيوضات الحق سبحانه فهذا الزمان الشريف الذي صدقت فيه البشرى النبوية لك بأن “مَن قَامَ رمضان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ” حيث سر قبولك المتمثل في ليلة القدر التي هي ﴿خير من ألف شهر﴾ ومن حرم خيرها فقد حرم الخير كله لقد أراد الله لروحك أن تطير بجناحي الأنس فجعلت لك البشارة المحمدية “فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه” بل ورفع مقامك عنده حتى صار “خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك” وفتح باب الأمل لقلبك فصار لله عتقاء من النار في كل ليلة فكن يا أخي حاضر القلب متعرضًا لهذه الرحمات ممتثلًا قول الجناب النبوي المعظم ﷺ: “إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغُلِّقَتْ أبواب النار فلم يُفْتَحْ منها باب، وفُتِّحَتْ أبواب الجنة فلم يُغْلَقْ منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر”

٣- أحسن استقبال شهر رمضان بالتأسي والاقتداء بالحال النبوي الرمضاني الشريف فاستغلالك لهذا الزمان الشريف يقتضي منك يقظة في قلبك وهمّة في طاعتك فأكثر من فعل الخيرات ووجوه البر واستحضر في كل خطوة تخطوها أن قدوتك الجناب المعظم ﷺ فقد كان النموذج الأسمى في العطاء فصدق في حضرته هذا الوصف كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان فاجعل من صيامك هذا العام مدرسة لبناء إنسانيتك وعمر باطنك بالذكر والقرب وظاهرك بالرفق والرحمة وقدر لهذا الشهر قدره واستشعر جلال القرب من خلال جمال هيئتك ونظافة محلك فهو شهر الطهر الذي يجب أن تشرق أنواره على مساجدنا وطرقاتنا فما أجمل أن يرى الله منك حرصًا على إماطة الأذى وتطييب المساجد لتصنع بيئة تليق بتنزل الملائكة وحلول الرحمات ممتثلًا في ذلك الهدي النبوي الذي جعل من الطهارة شطرًا للإيمان ولا يكتمل هذا البهاء الظاهري فيك إلا بسمو تعاملك حيث يبدأ حسن خلقك بضبط لسانك قبل الإمساك عن طعامك فيصوم قلبك عن الحقد ولسانك عن الأذى ويتجلى نبل أخلاقك في الترفع عن المشاحنات وجعل صومك حصنًا ضد الغضب وترجمة كرمك إلى ابتسامة صادقة وكلمة تجبر بها الخواطر ليكون هذا الرقي في مسلكك وإتقان عملك هو الجوهر الحقيقي لصيامك الذي يحول عبادتك إلى سلوك حضاري يفيض بالسكينة والوقار التزامًا بتوجيه الجناب المعظم ﷺ حين قال: “إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم”

الخطبة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله وبعد.

فيأيها الصائم الموفق لمرضاة ربه تجنب الإسراف والتبذير واعلم أن الله تعالى ما جعل الصيام إلا ليكون جلاءً للقلوب ومعراجًا تترقى فيه الروح فما نراه اليوم من غمرة الاستهلاك التي جعلت من شهر رمضان سباقًا لشراء السلع وتخزينها وكأنما هو موسم لتكديس الأقوات لا لتطهير الذوات وتكلف الموائد وإسراف يجاوز الحد فاجعل من صيامك هذا العام بابًا لجمال البساطة واجعل مائدتك مظهرًا من مظاهر أدبك مع الله وتذكر أن القليل الذي يقيم صلبك يفتح لك من مغاليق الحكمة ما لا يفتحه الامتلاء فكن حكيمًا في مطعمك بصيرًا بمقاصد دينك بأن تقطع دابر التنافس في المظاهر وتجعل ميزانك الحاجة لا الرغبة فإن كثرة المتاع تشتت الهمة وتنسي الغاية لتكون من أهل الاستقامة الذين تعمر قلوبهم بذكره قبل أن تعمر موائدهم بما يفيض عن حاجتهم ممتثلًا وصية الجناب النبوي المعظم “ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه”.

وأما عن موائد الرحمن التي تجسد معاني الجود والتكافل فينبغي أن تكون عنوانًا للنظام والنظافة وجمال الاستقبال فلا يليق بمائدة نسبت إلى الرحمن أن يشوبها كدر أو إهمال فقيمة النظافة على هذه الموائد هي جزء من إكرام الضيف ومن تعظيم شعائر الله فليكن حرص القائمين عليها والمستفيدين منها على بقاء المكان طاهرًا نقيًا كحرصهم على كسب الثواب فهذا المؤمن الراقي يترك المكان خلفه أطيب مما كان متأدبًا بأدب الإسلام الذي جعل من النظافة والجمال صفة يحبها الحق سبحانه كما ورد في هذا البيان النبوي المعظم “إن الله تعالى جميل يحب الجمال”.