في ليالي رمضان المضيئة، يحتفي المصريون بحضور الشهر الكريم من خلال استماعهم لتلاوات القرآن التي تملأ الأرجاء قبل أذان المغرب، حيث تتمتع هذه الأصوات بقدرة فريدة على تهدئة النفوس وإضاءة الروح مما يجعلها جزءاً أساسياً من طقوس هذا الشهر الفضيل.
تظل تلاوات القراء المصريين مرتبطة بالوجدان الشعبي وتغذي قلوب الصائمين، حيث تتحول لحظات الاستماع إلى القرآن قبل الإفطار إلى رحلة روحانية تعزز الطمأنينة والإيمان مما يعكس أهمية هذه الطقوس في الحياة اليومية للمصريين.
في بلدة “المنشأة” بمحافظة سوهاج، وُلد الشيخ صديق بن السيد تايب المنشاوي عام 1895، ليكون أحد أبرز أعلام القرآن في مصر والعالم العربي، نشأ الشيخ صديق في عائلة عريقة ارتبط اسمها بالتلاوة، حيث كان الجيل الرابع الذي يحمل مشعل القرآن، مما يشير إلى ارتباط هذه العائلة العريقة بخدمة كتاب الله عبر الأجيال.
بدأت رحلة الشيخ صديق مع القرآن في سن مبكرة، حيث حفظ كتاب الله كاملاً وهو في التاسعة من عمره، ثم انتقل إلى القاهرة لتطوير موهبته الفطرية على يد كبار العلماء، ومن بينهم الشيخ المسعودي، وبفضل شغفه العميق، أصبح الشيخ صديق القارئ الوحيد في صعيد مصر في زمانه الذي أتقن القراءات العشر الكبرى، مما منح صوته أسلوباً فريداً يجمع بين القوة والعمق والخشوع.
طاف الشيخ صديق بمحراب القرآن في مختلف محافظات مصر، من أسوان جنوباً إلى قنا والمناطق المجاورة، حيث قضى شهوراً متتالية في التلاوة والتعليم، ورغم عدم مغادرته البلاد إلا لأداء فريضة الحج عام 1924، إلا أن صوته العذب سافر عبر الزمان من خلال تسجيلات نادرة لا تتجاوز ثمانية، لكنها كانت كفيلة بتخليد ذكراه في قلوب محبي القرآن.
لم تكن حياة الشيخ صديق مجرد مسيرة قارئ مشهور، بل كانت قصة عطاء وصدق تجلت في أبنائه الذين ساروا على خطاه وأصبحوا قمم العصر الذهبي للتلاوة، وعلى رأسهم ابنه الشيخ محمد صديق المنشاوي.
رحل الشيخ الكبير عن عالمنا عام 1984، تاركاً إرثاً روحياً لا ينضب، حيث يبقى صوته الخاشع يصدح بآيات الله، شاهداً على عظمة مدرسة المنشاوي التي نبتت بذورها من إخلاص هذا الرجل العظيم.
شهر رمضان في مصر ليس مجرد فترة صيام، بل هو رحلة روحانية تتجسد فيها الطقوس المتجددة، ومن أبرزها استماع المصريين لتلاوات قرآن مشايخهم المفضلين مع دقات أذان المغرب، لتملأ أجواء المنازل والشوارع أصوات القراء الكبار، مما يجعلهم جزءًا من الروح الرمضانية، حيث تلامس هذه الأصوات العذبة القلوب قبل الفطور وتصبح جزءًا من هوية الشهر الكريم، حيث تمزج بين الهدوء والسكينة، وتعيد للأذهان ذكرى إيمانية طيبة تمس الأعماق، فتجعل كل لحظة من رمضان أكثر تقديسًا.

