مع حلول شهر رمضان المبارك، تتجلى في الشواطئ والموانئ التونسية ملامح نشاط غير مألوف حيث تتحول هواية الصيد بالصنارة إلى تقليد يمارسه الكثيرون بهدف الترويح عن النفس والاستمتاع بأوقات هادئة بعيدًا عن مشاغل الحياة اليومية.

في مدينة الحمامات شمال شرقي تونس، يحمل هيكل بوفايد صنارته متجهًا إلى أحد الشواطئ لممارسة هذه الهواية التي دأب عليها منذ الطفولة حيث يوضح بوفايد أن الدافع الأساسي للصيد في شهر رمضان هو الاستمتاع والراحة النفسية بعيدًا عن الروتين اليومي والمشاكل الحياتية مما يتيح فرصة للتجدد.

الحصيلة لا تهم

تمتد الشواطئ التونسية من بنزرت شمالًا إلى جرجيس جنوبًا، حيث تنجذب الصيادين الهواة خلال شهر رمضان لقضاء وقت طويل أمام البحر في صمت يعززه صوت الأمواج حيث تشكل هذه السواحل ملاذًا لكثير من التونسيين هربًا من صخب الأسواق والمدن.

يضيف بوفايد أن تحقيق صيد وفير ليس الدافع الحقيقي، حيث أن تكاليف الطعوم ومستلزمات الصيد غالبًا ما تتجاوز المحصول، ويشير إلى أن الصيد بالصنارة يشهد انتعاشة في رمضان، إذ يوجد ما يسمى بالصياد الموسمي، حيث يمارس بعض الهواة الصيد البحري في رمضان وفصل الصيف بينما يتمسك آخرون بممارسته طوال السنة.

كما يوضح بوفايد أن الهواة الموسميين يمارسون هذه الهواية إما لتجاوز الوقت خلال ساعات الصيام أو خلال فصل الصيف مع العائلة أو الأصدقاء حيث يجمع رمضان بين جميع هواة الصيد سواء كانوا موسميين أو ممارسين على مدار السنة، ويتعلق وفرة الصيد بالعديد من العوامل مثل اختيار الموقع واتجاه الرياح والحالة الجوية وأنواع الأسماك المتاحة والطعوم المناسبة.

شغف كبير

لا يقتصر الصيد في شهر رمضان على المناطق الساحلية في تونس، إذ يلجأ العديد من سكان مدن مثل جندوبة شمال غرب البلاد إلى الأودية لممارسة هواية الصيد خلال هذا الشهر، وفي جزيرة قرقنة شرقًا، تُحيي تقنيات الصيد التقليدية مثل “الشرفية” التي تعد مصائد ثابتة من سعف النخيل، وهي مسجلة لدى “اليونيسكو”، مما يجعل الصيد تجربة فريدة.

تعتبر هذه الطريقة “صيدًا صبورًا” حيث يتم استخراج السمك حيًا، مما يتيح للصياد اختيار الأسماك الجاهزة وإعادة الصغيرة إلى البحر، مما يسهم في الحفاظ على الثروة السمكية، ويعبر نزار مقني عن شغفه بالصيد في رمضان كونه هواية رافقته منذ الطفولة حيث بدأ بمرافقة أفراد عائلته إلى الشاطئ، ومع مرور الوقت تطور الفضول إلى شغف كبير.

يؤكد مقني أن رمضان لا يغير علاقته بهذه الهواية بل يمنحها طابعًا مختلفًا، إذ تساعد هدوء النهار وصفاء الأجواء على التركيز والانسجام مع البحر حيث يرى أن الهدف الأساسي هو الترويح عن النفس، ولكن ليس بالمعنى السطحي، بل يعتبر الصيد مدرسة في الصبر والتبصر والتأمل، ويدرك أن الغاية ليست في عدد الأسماك التي يتم صيدها بل في التجربة نفسها.

هواية متجددة

يتفق كثيرون ممن يمارسون الصيد في شهر رمضان على أن الحصول على صيد وفير ليس الهدف بل التسلية وقضاء الوقت، وغالبًا ما يقصد هؤلاء السواحل والشواطئ قبل غروب الشمس حيث يكون التركيز في أعلى مستوياته لنسيان الجوع والعطش.

يستمر مقني في توضيح أنه يتنقل بين عدة مناطق حسب الموسم والظروف البحرية، حيث يفضل شواطئ الوطن القبلي لما تتميز به من تنوع بحري، كما يرتاد سواحل بنزرت المعروفة بغناها وتنوع تضاريسها، إضافة إلى شواطئ الضاحية الجنوبية للعاصمة، وأحيانًا منطقة قلعة الأندلس شمال ولاية أريانة.

يشير إلى أن كل شاطئ له طابعه الخاص، من طبيعة القاع إلى حركة الأمواج، وهذا التنوع يمنحه تجربة مختلفة في كل مرة، ويعتبر أن البحر واحد لكن شخصيته تتغير من مكان لآخر مما يجعل هذه الهواية متجددة دائمًا.