في شهر رمضان، يكتسي الشارع المصري بحلة من الزينة التي تضيء الأجواء وتملأها بالأصوات المميزة مثل صوت المسحراتي الذي يوقظ النائمين قبل الفجر، حيث يحمل الأطفال الفوانيس كرموز للنور والفرح، ويستغل الفنان التشكيلي محسن أبو العزم هذه اللحظات العابرة ليجسدها على لوحاته بأسلوبه الفريد الذي يبرز جماليات الحياة اليومية في هذه الفترة الخاصة.

يعتبر رمضان بالنسبة لأبو العزم أكثر من مجرد طقس ديني، فهو تجسيد لحالة إنسانية تتسم بالفرح الجماعي والدفء الأسري، وتظهر في أعماله الرمضانية لوحة «المسحراتي» التي تجسد الرجل البسيط وهو ينادي على أهل الحارة بأسمائهم، مما يعكس الألفة والمحبة بين أفراد المجتمع، حيث يقف بجانبه طفل يحمل فانوسه وكأن ضوءه ينتقل من جيل إلى جيل.

يميل أبو العزم إلى تصوير الأحياء الشعبية حيث التفاصيل الصغيرة تشكل المشهد الكبير، فنجد في لوحاته الرمضانية بائع الكنافة وبائع الفول، بالإضافة إلى الأطفال الذين يركضون بين البيوت المزينة، والنساء اللاتي يتبادلن الأحاديث أثناء إعداد الطعام قبل الإفطار، حيث تبدو كل عنصر بسيطاً لكنه يحمل روح الود والألفة.

تتميز ريشة أبو العزم بخفتها، حيث تميل أحياناً إلى الطابع الكاريكاتيري، مما يمنح الشخصيات ملامح قريبة من القلب، وفي بعض الأحيان تحمل لمسة نقدية رقيقة للحياة الاجتماعية، لكنه في شهر رمضان يخصص مساحة أكبر للبهجة، حيث تتجلى الألوان الدافئة والحركة النابضة، مما يجعل اللوحات تنبض بالحياة وكأن الشارع يتنفس داخلها.

تخرج الفنان من كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان عام 1981، وعمل بالتدريس داخل وخارج مصر، كما مارس الرسم الصحفي في عدد من المجلات، مما أثرى أسلوبه السريع والملتقط للحظة، وجعله قريباً من تفاصيل حياة الناس اليومية، حيث استطاع تحويل مشهد عابر إلى عمل فني يحمل معنى وذاكرة.

تتجاوز لوحاته مجرد توثيق المظاهر، إذ تعيد صياغتها بحس إنساني دافئ، فعند رسم «كنافة رمضان» أو الأطفال الذين يحملون الفوانيس، لا نرى مجرد عناصر تقليدية بل نشعر بحالة من الفرح، وكأن اللوحة تبتسم لنا.

أصبح شهر رمضان مصدر إلهام للفنان، لأنه يظهر روح الجماعة بوضوح في الحارة المصرية، حيث تتداخل الأصوات والروائح والألوان، مما يجعل الشارع مسرحاً مفتوحاً للتجمع وعمل الخير.

استطاع أبو العزم نقل هذه الروح في عدة أعمال، مؤكداً أن الفن يمكن أن يكون أرشيفاً للمشاعر وليس للصور فقط.

يتحول المسحراتي في تجربة محسن أبو العزم إلى رمز للذاكرة، والفانوس إلى علامة ضوء داخلي، والحارة إلى وطن صغير يحتضن الجميع، وهكذا تبقى لوحات رمضان لديه ليست مجرد مشاهد موسمية، بل رسائل محبة وحنين تذكرنا بأن البهجة ما زالت ممكنة وأن الفن قادر دائماً على استرجاعها.