مع حلول شهر رمضان لعام 2026، يتجدد النقاش حول دور المؤثرين الرقميين في البرامج التلفزيونية الجزائرية، حيث شهدت السنوات الأخيرة تزايدًا ملحوظًا لظهور هؤلاء الشخصيات في الإعلام التقليدي، مما يثير تساؤلات حول كفاءاتهم الفنية والثقافية، وما إذا كان هذا التوجه يعزز التنوع أم يهدد الكفاءات الأكاديمية والمواهب الشابة.

نجاح مشروط.

ومع بداية عرض المسلسلات الدرامية خلال رمضان على القنوات الجزائرية، برزت أسماء مؤثرين معروفين من منصات التواصل الاجتماعي، وقد أُسندت إليهم أدوار متنوعة في هذه الأعمال الفنية، حيث يبقى نجاحهم رهينًا برضا الجمهور عن أدائهم، ومن بين هؤلاء المؤثرين يبرز فاروق بوجملين المعروف باسم “ريفكا” الذي يشارك في مسلسل “المهاجر” للمخرج إدريس بن شرنين، وهو عمل درامي اجتماعي واقعي يُعرض خلال موسم رمضان 2026، بالإضافة إلى أسماء بارزة مثل يوسف سحيري ومحمد خساني وأنيسة علي باي.

ويتناول مسلسل “المهاجر” قضايا إنسانية واقعية، حيث يروي قصة شاب يواجه ظروفًا قاسية تدفعه للتفكير في الهجرة هربًا من ماضيه، مسلطًا الضوء على الصراعات الداخلية والقرارات المصيرية التي تغير مسار حياة الأفراد، ويتميز المسلسل بأنه دراما عصرية تغوص في عمق العلاقات الإنسانية والقرارات المصيرية التي تواجه الشباب الجزائري في قالب واقعي.

وفي إطار مختلف، يقدم المخرج داميان أونوري مسلسلًا كوميديًا بعنوان “بيناتنا” المقتبس من المسلسل التركي الشهير “أسرار البيوت”، حيث استعان بمجموعة من الممثلين بينهم المؤثرة سارة لعلامة، ويقدم المسلسل مزيجًا من القصص العائلية المشوقة والصراعات اليومية والمفارقات الكوميدية، حيث يتناول مواقف يومية تمزج بين الدراما والكوميديا.

أما المخرج جعفر قاسم فقد عاد خلال رمضان بمسلسل درامي روائي بعنوان “فاطمة” الذي تشارك فيه صانعة المحتوى شيماء عطا الله، إضافة إلى نخبة من الفنانين بينهم أسماء بن إمام شريف وريتاج عبدالله وهاجر سراوي ومحمد موفق وكنزة مشوش وعبدالرؤوف دزيري، وتدور أحداثه في الجزائر العاصمة عام 1850 داخل أزقة حي القصبة العتيقة، حيث يستعرض نضال امرأة تدعى فاطمة في مواجهة الضغوط الاجتماعية وظلم الاستعمار.

يعتقد البعض أن صعود هؤلاء المؤثرين قد مكنهم من منافسة ومزاحمة خريجي التخصصات الأكاديمية في مجالات الفن والدراما والسينما.

خطوة إيجابية ولكن.

ويبقى الإشكال الأعمق مرتبطًا بآليات الاختيار ومعايير الإنتاج، حيث يتساءل البعض عما إذا كان يتم إشراك المؤثرين ضمن رؤية فنية مدروسة تضمن التوازن بين الشهرة والموهبة، أم أن منطق “الترند” يفرض نفسه على حساب النص والإخراج، مما يعكس تحولًا أوسع في علاقة التلفزيون بوسائل التواصل الاجتماعي، ويضع الدراما الجزائرية أمام تحدي الحفاظ على جودتها في ظل منافسة رقمية متسارعة.

ويرى خبراء الدراما في الجزائر أن إشراك المؤثرين في الأعمال التلفزيونية يعد خطوة إيجابية تسهم في تعزيز شعبية المسلسلات وزيادة تأثيرها، بالنظر إلى القاعدة الجماهيرية الواسعة التي يحظون بها على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد أصبح حضورهم لافتًا خلال الأعوام الأخيرة عبر تجسيد أدوار مختلفة في أعمال درامية مهمة.

وفي المقابل، يعتقد بعضهم أن صعود هؤلاء المؤثرين قد أتاح لهم فرصة المنافسة ومزاحمة خريجي التخصصات الأكاديمية في مجالات الفن والدراما والسينما، حيث يبرر بعض القائمين على دراما رمضان الاستعانة بهم كونهم يضخون دماء جديدة في ظل ما يُوصف بضعف التكوين الأكاديمي الفني، مشيرين إلى أن منصات التواصل تعد فضاء خصبًا لاكتشاف المواهب وإبرازها على الشاشة، بينما يرى آخرون أن تنافس القنوات على جذب المؤثرين لرفع نسب المشاهدة قد يؤدي إلى رداءة المحتوى، مما قد يهمش الكفاءات الأكاديمية إذا لم تضبط معايير الاختيار.

كذلك تعد هذه المنصات بمثابة اختبارات أداء سريعة، إذ يمتلك نجومها قدرة كبيرة على الترويج لأنفسهم بما ينعكس إيجابًا على نسب المشاهدة والتسويق للأعمال الفنية، ويجزم كثير من المشاهدين بأن الجمع بين المؤثرين ونجوم التمثيل الأكاديميين في عمل واحد يمثل إضافة متبادلة تخدم جودة العمل وتوسع انتشاره.

من جهتها، قالت الممثلة المسرحية الجزائرية حورية بهلول إن لجوء منتجي الأعمال الدرامية إلى الاستعانة بنجوم الـ “سوشيال ميديا” هدفه الأساس الربح المادي واستغلال عدد المشاهدات ومتابعي هؤلاء المؤثرين لجذب جمهور جديد لهذه المسلسلات، موضحة في تصريحات صحافية أن هذا الأمر يعتبر مجحفًا نوعًا ما في حق الممثلين والفنانين الذين يمتلكون خبرة وتكوينًا أكاديميًا في مجال التمثيل أو المسرح، والذين يتعبون ويجتهدون للظفر بالأدوار التي يحلمون بتجسيدها، مشيرة إلى أن عددًا قليلاً من المؤثرين يملكون مواهب في التمثيل الدرامي أو المسرحي.

إجراءات تنظيمية.

في الثاني من فبراير، أصدرت “السلطة الوطنية المستقلة لضبط السمعي البصري” بيانًا ذكّرت فيه القنوات الإذاعية والتلفزيونية بضرورة الالتزام الصارم بالقواعد القانونية والمهنية المؤطرة للمضامين الإعلامية والاتصال التجاري خلال شهر رمضان، بما يكفل حماية الجمهور وصون القيم الدينية والاجتماعية للمجتمع، وقد سجلت السلطة بحسب البيان خلال المواسم الرمضانية السابقة جملة من التجاوزات والإخلالات المرتبطة بطبيعة المضامين المعروضة، وكثافة الفواصل الإشهارية وبعض الممارسات التسويقية غير المطابقة للأحكام القانونية والتنظيمية، مما يستوجب التقيد الدقيق بالضوابط المعمول بها تفادياً لتكرار مثل هذه الممارسات.

وفي هذا الإطار، ألزمت السلطة القنوات الإذاعية والتلفزيونية باحترام المرجعيات الدينية والوطنية والقيم الاجتماعية، وتفادي بث أي مضامين من شأنها المساس بالآداب العامة أو كرامة الأشخاص أو إثارة الحساسيات أو الترويج لمشاهد العنف، مع ضرورة التحلي بالمسؤولية التحريرية ومراعاة خصوصية الشهر الكريم في إعداد المضامين وتوقيت بثها، داعية إلى ضمان تنوع وجودة المضامين البرامجية بما ينسجم مع مبادئ الخدمة العمومية ويكفل حق الجمهور في إعلام مسؤول ومتوازن، مؤكدة أنها ستباشر متابعة منتظمة ودقيقة لمدى الالتزام بهذه الضوابط، وستتخذ عند الاقتضاء التدابير القانونية اللازمة بكل صرامة.

تراهن بعض القنوات التلفزيونية في الجزائر على المؤثرين باعتبارهم قوة جذب رقمية قادرة على رفع نسب المشاهدة، خاصة في شهر رمضان الذي يُعد ذروة المنافسة الدرامية، حيث يمتلك المؤثر قاعدة جماهيرية جاهزة ويتحول إلى وسيلة ترويج مجانية للعمل عبر حساباته، مما يمنح المسلسل انتشارًا سريعًا وتفاعلًا مباشرًا مع فئة الشباب التي تتابع المحتوى عبر المنصات الرقمية أكثر من الشاشة التقليدية.

بينما تبدو الظاهرة امتدادًا طبيعيًا للتحولات التي يعرفها المجال الإعلامي، فإن نجاحها يظل رهناً بقدرة المنتجين على الجمع بين الاعتبارات التسويقية والالتزام بالمعايير الفنية، بما يضمن تطوير الدراما الجزائرية دون التفريط في هويتها وجودتها.