تتجلى في دراسة قوانين الطبيعة دلالات عميقة تشير إلى أن الكون ليس عشوائيًا، بل يخضع لنظام دقيق يتجاوز الفوضى الظاهرة، حيث تتحرك الجسيمات الأولية وفق احتمالات محسوبة، وتولد النجوم وتموت وفق قوانين صارمة، كما أن الطاقة لا تضيع بل تتحول بطرق محددة، مما يدفعنا للتأمل في طبيعة التاريخ الإنساني وفيما إذا كان يخضع لسنن مشابهة لتلك القوانين الطبيعية، مما يثير تساؤلات حول الدور الذي يلعبه شهر رمضان في تشكيل وعي الأمة وتجربتها، وهل يمكن اعتباره “لحظة تحول” في الأنظمة الفيزيائية.
لحظة البداية: وعيٌ جديد للعالم
يشهد رمضان نزول القرآن، وهو حدث لا يقتصر على كونه واقعة تاريخية بل يمثل تحولًا معرفيًا يعيد صياغة رؤية الإنسان للكون، إذ يأتي الوحي ليعزز فكرة كون منظم له خالق ومقصد ومعنى، ففي الفيزياء كل نظرية كبرى تبدأ بإعادة تعريف الإطار المرجعي، ونزول الوحي كان إعادة تعريف كبرى لإطار الإنسان المرجعي، حيث لم يعد الكون صامتًا بلا دلالة بل صار كتابًا مفتوحًا للقراءة والتفكر، كما جاء في قوله: “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان”، فالهداية هنا ليست مجرد طريق تعبدي بل منهج نظر وتأمل.
بدر: حين تتفوق البنية على الكتلة
في السابع عشر من رمضان، وقعت غزوة بدر، حيث يوضح التاريخ أن ميزان القوى العددي لم يكن في صالح المسلمين، لكن الفيزياء تعلمنا أن الكتلة ليست كل شيء، بل إن طريقة توزيع الطاقة وتماسك البنية يمكن أن تغير سلوك النظام بأكمله، فالجماعة التي تمتلك رؤية واضحة وتماسكًا داخليًا قد تكون أقل عددًا ولكنها أكثر قدرة على الثبات، مما يظهر درسًا عميقًا حول أن القوة ليست دائمًا في الكثرة بل في الانسجام بين الهدف والوسيلة.
فتح مكة: أخلاق القوة
في فتح مكة، تجلت قيمة أخلاقية نادرة تتمثل في العفو عند المقدرة، وفي العلوم نعلم أن الطاقة إن لم تضبط تتحول إلى فوضى، والقوة البشرية كذلك إن لم تهذب بالقيم أفسدت أكثر مما أصلحت، وحين قال النبي ﷺ: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، كان ذلك تجسيدًا لأعلى درجات التحكم في القوة، مما يبرز درس رمضان العظيم بأن الانتصار الحقيقي هو الانتصار على دوافع الانتقام.
عين جالوت وحطين: إعادة الاتزان بعد الاضطراب
تعرضت الأمة في لحظات من تاريخها لاهتزازات شديدة كما حدث في زمن المغول، وفي الفيزياء حين يختل الاتزان يكون النظام أمام احتمالين، إما الانهيار أو إعادة تنظيم نفسه في صورة أكثر استقرارًا، وكانت معركة عين جالوت، في رمضان، مثالًا على إعادة الاتزان، وكذلك حطين التي مهدت لاستعادة القدس، إذ إن السنن لا تحابي أحدًا، فمن يأخذ بأسباب الوحدة والوعي والتنظيم يملك فرصة استعادة توازنه.
الأندلس والأزهر: حين يتحول الإيمان إلى عمران
لم يكن رمضان شهر مواجهات فقط بل شهر بناء، ففيه بدأت مسيرة الأندلس التي صارت منارة علم، وفيه بني الأزهر الذي ظل قرونًا مركز إشعاع فكري، فالحضارة من منظور علمي لا تقوم على حدث لحظي بل على تراكم طويل الأمد، والمؤسسات العلمية تشبه البنية التحتية للطاقة المعرفية، حيث تنتج الأفكار وتحفظها وتنقلها عبر الأجيال.
الصوم: تجربة فيزيائية للروح
قد يبدو التعبير غريبًا، لكنني أرى في الصوم تجربة انضباط تشبه ضبط المتغيرات في المختبر، فعندما نصوم، نحن لا نحرم الجسد بقدر ما نعيد ترتيب العلاقة معه، ونكتشف أن الرغبة ليست قانونًا حتميًا، وأن الإنسان قادر على تأجيل الإشباع، وفي علم النفس يُعد ضبط النفس مؤشرًا أساسيًا على النضج، وفي رمضان تُمنح الفرصة للإنسان ليتدرب على هذا الضبط لا بالقسر بل بالاختيار.
بين قوانين الكون وسنن التاريخ.
تقوم الفيزياء على قوانين ثابتة، بينما يحدثنا القرآن عن “سنن” في التاريخ، والفارق أن قوانين الكون تصف حركة المادة، أما السنن فتحدد مسار الإرادة الإنسانية، لكن القاسم المشترك هو أن كليهما ينفي العبث، فلا شيء يحدث بلا سبب، ولا أمة ترتقي أو تنحدر بلا مقدمات.
رمضان… لحظة معايرة.
في المختبر، إذا اختلت الأجهزة، نعيد معايرتها، ورمضان – في حياتنا الفردية والجماعية – هو لحظة معايرة سنوية، نراجع علاقتنا بالله وبأنفسنا وبالناس وبالعمل وبالعلم، ليس المطلوب أن نخرج من رمضان أشد عاطفة بل أشد وعيًا، ولا أن نزداد حماسة لحظية بل أن نرسخ توازنًا طويل الأمد.
كلمة أخيرة.
كلما تأملت الكون، ازددت خشوعًا، وكلما تأملت رمضان، ازددت يقينًا أن الإنسان ليس كائنًا بيولوجيًا فحسب بل كائن يبحث عن المعنى، رمضان ليس زمن انقطاع عن العالم بل زمن اتصال أعمق به، ليس هروبًا من الواقع بل إعادة صياغة له، وفي عالم تتسارع فيه الإيقاعات وتضطرب فيه المعايير، يبقى رمضان مساحة هدوء، نسمع فيها صوت الضمير، ونعيد فيها ضبط بوصلتنا، فكما أن الكون قائم على نظام دقيق، كذلك حياة الإنسان لا تستقيم إلا حين تخضع لنظام من القيم، ورمضان هو تذكير سنوي بهذا النظام.
* مخترع الواى فاي السريع وخبير تكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني.

