خطبة الجمعة القادمة 6 مارس 2026 بعنوان : آيَاتُ اللَّهِ فِي بَدْر ، إعداد: رئيس التحرير الدكتور أحمد رمضان لـ صوت الدعاة ، بتاريخ 16 رمضان 1447هـ ، الموافق 6 مارس 2026م

 

 

عناصر خطبة الجمعة القادمة 6 مارس 2026م بعنوان : آيَاتُ اللَّهِ فِي بَدْر ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان

 

العُنْصُرُ الأَوَّلُ: آيَاتُ اللَّهِ فِي بَدْرٍسُنَنُ النَّصْرِ وَالتَّثْبِيتِ

العُنْصُرُ الثَّانِيُ: العَشْرُ الأَوَاخِرُمَيْدَانُ النَّصْرِ الرُّوحِيِّ

العُنْصُرُ الثَّالِثُ: فِقْهُ الإِحْسَانِ إِلَى الفُقَرَاءِ فِي رَمَضَانَثَمَرَةُ النَّصْرِ وَعُنْوَانُ الصِّدْقِ

 

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 6 مارس 2026م : آيَاتُ اللَّهِ فِي بَدْر ، إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان : كما يلي:

 

    آيَاتُ اللَّهِ فِي بَدْر
9 رمضان 1447هـ – 6 مارس 2026م
إعداد: رئيس التحرير د. أحمد رمضان
المـــوضــــــــــوع

الحمدُ للهِ العزيزِ الحكيمِ، ناصرِ عبادِهِ المؤمنينَ، ومُذِلِّ أعدائِهِ الكافرينَ، الذي جعلَ في الأيامِ عِبَرًا، وفي الوقائعِ آياتٍ، وفي المواسمِ نفحاتٍ، أحمدُهُ سبحانهُ وأشكرُهُ، وأتوبُ إليهِ وأستغفرُهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، كتبَ النصرَ لأهلِ الإيمانِ إذا صدقوا، وجعلَ العزَّ لمن أطاعَهُ واتقاهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، إمامُ المجاهدينَ، وسيدُ العابدينَ، وقدوةُ المحسنينَ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا، أما بعدُ عبادَ اللهِ

عناصر الخطبة:

العُنْصُرُ الأَوَّلُ: آيَاتُ اللَّهِ فِي بَدْرٍسُنَنُ النَّصْرِ وَالتَّثْبِيتِ

العُنْصُرُ الثَّانِيُ: العَشْرُ الأَوَاخِرُمَيْدَانُ النَّصْرِ الرُّوحِيِّ

العُنْصُرُ الثَّالِثُ: فِقْهُ الإِحْسَانِ إِلَى الفُقَرَاءِ فِي رَمَضَانَثَمَرَةُ النَّصْرِ وَعُنْوَانُ الصِّدْقِ

فإنَّ رمضانَ ليسَ شهرَ صيامٍ فحسبُ، بل هو شهرُ صناعةِ الرجالِ، وبناءِ الأممِ، وتجلِّي سننِ اللهِ في الأرضِ، فيه نزلَ القرآنُ، وفيه وقعَ الفرقانُ، وفيه تعلَّمتِ الأمةُ كيفَ تنتصرُ على عدوِّها، وكيفَ تنتصرُ على نفسِها، وكيفَ تُحسنُ إلى ضعيفِها، وهذهِ المعاني تتجلَّى في ثلاثةِ ميادينَ عظيمةٍ

في بدرٍ آياتُ النصرِ، وفي العشرِ الأواخرِ آياتُ المجاهدةِ، وفي الإحسانِ إلى الفقراءِ آياتُ الرحمةِ

العُنْصُرُ الأَوَّلُ: آيَاتُ اللَّهِ فِي بَدْرٍ… سُنَنُ النَّصْرِ وَالتَّثْبِيتِ

عبادَ اللهِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123]

هذهِ الآيةُ ليستْ خبرًا تاريخيًّا، بل قاعدةً ربانيةً خالدةً، تُقرِّرُ أنَّ النصرَ ليسَ ثمرةَ عددٍ، ولا نتيجةَ عُدَّةٍ، بل هو عطيَّةُ اللهِ لمن صدقَهُ

أولًا: آيةُ الطمأنينةِ

قالَ تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: 11]

قالَ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: “أمَّنهم بهِ من خوفِهم الذي حصلَ لهم من كثرةِ عدوِّهم وقِلَّةِ عددِهم” (تفسير ابن كثير، ج4، ص24، ط. دار طيبة، تحقيق سامي سلامة)

النعاسُ في ساحةِ حربٍ؟! نعم… لأنَّ القلوبَ إذا اطمأنَّتْ باللهِ، نامتْ ولو كانتِ السيوفُ مشرعةً

فأولُ آياتِ النصرِ: طمأنينةُ القلبِ، لا اضطرابُ الأعصابِ

ثانيًا: آيةُ المطرِ والتثبيتِ

قالَ تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: 11]، ذكرَ اللهُ أربعةَ مقاصدَ: تطهيرًا… وإذهابًا للوسوسةِ… وربطًا على القلوبِ… وتثبيتًا للأقدامِ، فالنصرُ يبدأُ بالطهارةِ، ثم صفاءِ القلبِ، ثم الثباتِ

ثالثًا: آيةُ الاستغاثةِ ونزولِ الملائكةِ

قالَ تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 9]

روى مسلمٌ في صحيحهِ عن عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: “نظرَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى المشركينَ وهم ألفٌ وأصحابُهُ ثلاثمائةٍ وتسعةَ عشرَ رجلًا، فاستقبلَ القبلةَ، ثم مدَّ يدَيْهِ فجعلَ يهتفُ بربِّهِ: «اللهمَّ أنجزْ لي ما وعدتَني»(صحيح مسلم، كتاب الجهاد، رقم 1763)

هكذا تُصنعُ أيامُ اللهِ… لا بالصراخِ، بل بالافتقارِ، ولا بالغرورِ، بل بالانكسارِ بين يديِ اللهِ

رابعًا: آيةُ تقليلِ العددِ

قالَ تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: 44]

قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما: “قلَّلَ اللهُ هؤلاءِ في أعينِ هؤلاءِ وهؤلاءِ في أعينِ هؤلاءِ” (تفسير الطبري، ج11، ص203، ط. هجر، تحقيق شاكر)

ليتبيَّنَ أنَّ إدارةَ المعركةِ بيدِ اللهِ

عبادَ اللهِ، إذا كانتْ بدرٌ يومًا من أيامِ اللهِ في التاريخِ، فإنَّها في الحقيقةِ مدرسةُ سننٍ ربانيَّةٍ لا تتكرَّرُ في صورةِ الحدثِ، ولكن تتكرَّرُ في صورةِ القاعدةِ، ومن تأمَّلَ مشاهدَ بدرٍ وجدَ أنَّ اللهَ تعالى لم يُنزِلِ النصرَ فجأةً بلا مقدِّماتٍ، بل سبقهُ إعدادٌ إيمانيٌّ عميقٌ

خامسًا: مشهدُ الاستشارةِ وتثبيتُ الصفِّ

روى الإمامُ أحمدُ في مسندِهِ عن ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ استشارَ الناسَ يومَ بدرٍ، فقامَ المقدادُ بنُ عمرو فقالَ: يا رسولَ اللهِ، امضِ لما أراكَ اللهُ، فنحنُ معكَ، واللهِ لا نقولُ لكَ كما قالتْ بنو إسرائيلَ لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ولكن نقولُ: اذهبْ أنتَ وربُّكَ فقاتلا إنا معكما مقاتلونَ(مسند أحمد، ج1، ص420، رقم 3600، صحيح)

هذا التماسكُ الداخليُّ، وهذهِ الروحُ الجماعيةُ، كانتْ من أعظمِ أسبابِ النصرِ، فالنصرُ لا يُمنحُ لصفٍّ متصدِّعٍ، ولا لقلبٍ متردِّدٍ

سادسًا: يقينُ النبيِّ ﷺ قبل وقوعِ الحدثِ

روى مسلمٌ عن أنسٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ أشارَ إلى مواضعِ مصارعِ القومِ قبلَ المعركةِ، فكانَ يقولُ: «هذا مصرعُ فلانٍ غدًا إن شاءَ اللهُ»، قالَ أنسٌ: فما أخطأَ أحدٌ منهم موضعَ يدِ رسولِ اللهِ ﷺ (صحيح مسلم، كتاب الجهاد، رقم 1779)، هذا ليسَ علمًا بالغيبِ استقلالًا، بل هو وحيٌ وثقةٌ مطلقةٌ بوعدِ اللهِ، فالقائدُ الذي يملكُ يقينًا يزرعُ في قلوبِ أتباعِهِ ثباتًا

عبادَ اللهِ، إنَّ بدرًا لم تكنْ يومَ انتصارِ سيفٍ، بل يومَ انتصارِ إيمانٍ، ولم تكنْ معركةَ أرقامٍ، بل معركةَ صدقٍ، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى بعدها: ﴿لِيَبْلُوَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: 17]

فالنصرُ ابتلاءٌ كما أنَّ الهزيمةَ ابتلاءٌ، والتمكينُ اختبارٌ كما أنَّ الاستضعافَ اختبارٌ

عبادَ اللهِ، إذا أردنا أن نستخرجَ درسًا جامعًا من آياتِ بدرٍ، فهو أنَّ: الطمأنينةَ قبلَ النصرِ، والطهارةَ قبلَ التمكينِ، والدعاءَ قبلَ السلاحِ، واليقينَ قبلَ المواجهةِ، كلُّها مفاتيحُ الفتحِ، فهل نطلبُ نصرًا ونحنُ لم نُصلِحْ قلوبَنا، وهل نرجو تمكينًا. ونحنُ لم نطهِّرْ صفوفَنا

ومن هنا ننتقلُ من ميدانِ بدرٍ الخارجيِّ إلى ميدانٍ أعمقَ وأخطرَ، ميدانِ النفسِ والقلبِ، حيثُ يُصنعُ النصرُ الحقيقيُّ

العُنْصُرُ الثَّانِيُ: العَشْرُ الأَوَاخِرُ… مَيْدَانُ النَّصْرِ الرُّوحِيِّ

عبادَ اللهِ، كما كانتْ بدرٌ يومَ فرقانٍ في تاريخِ الأمةِ، فإنَّ العشرَ الأواخرَ من رمضانَ أيامُ فرقانٍ في حياةِ الفردِ، فيها تُفصلُ القلوبُ، ويُختبرُ الصدقُ، ويُكتبُ مصيرُ عامٍ كاملٍ

قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 2]، وقد ذهبَ جماعةٌ من أهلِ التفسيرِ إلى أنَّها تشملُ العشرَ الأواخرَ من رمضانَ، وفضلَ العشرِ الأواخرِ ثابتٌ بالسنةِ الصحيحةِ

أولًا: اجتهادُ النبيِّ ﷺ

عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالتْ: “كانَ النبيُّ ﷺ إذا دخلَ العشرُ أحيا الليلَ، وأيقظَ أهلَهُ، وجدَّ وشدَّ المئزرَ» (صحيح البخاري، كتاب فضل ليلة القدر، رقم 2024، وصحيح مسلم، رقم 1174)

قالَ ابنُ حجرٍ رحمهُ اللهُ: “وَأَحْيَا لَيْلَهُ) أَيْ: سَهِرَهُ، فَأَحْيَاهُ بِالطَّاعَةِ وَأَحْيَا نَفْسَهُ بِسَهَرِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ، وَأَضَافَهُ إِلَى اللَّيْلِ اتِّسَاعًا؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ إِذَا حَيِيَ بِالْيَقِظَةِ أَحْيَا لَيْلَهُ بِحَيَاتِهِ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ: لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا أَيْ: لَا تَنَامُوا فَتَكُونُوا كَالْأَمْوَاتِ فَتَكُونَ بُيُوتُكُمْ كَالْقُبُورِ، قَوْلُهُ: (وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أَيْ: لِلصَّلَاةِ” (فتح الباري، ج4، ص269)، فالعشرُ ليستْ ليالي عاديةً، بل هي موسمُ حسمٍ، وميدانُ سباقٍ، وساعةُ قرارٍ

ثانيًا: مضاعفةُ الاجتهادِ

عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالتْ: “كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يجتهدُ في العشرِ ما لا يجتهدُ في غيرِها» (صحيح مسلم، رقم 1175)، وهذا يدلُّ على أنَّ القربَ من النهايةِ يستوجبُ مضاعفةَ العملِ، فمن كانَ قد قصَّرَ في أولِ الشهرِ، فهذهِ فرصتهُ الأخيرةُ

ثالثًا: ليلةُ القدرِليلةُ النصرِ الخفيِّ

قالَ تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3]، وفي الصحيحينِ: “تحرَّوا ليلةَ القدرِ في العشرِ الأواخرِ» (البخاري، رقم 2020، مسلم، رقم 1169)، إنَّها ليلةُ تغييرِ المقاديرِ، ليلةُ كتابةِ الأعمارِ والآجالِ، ليلةُ رفعِ الأعمالِ، فمن قامَها إيمانًا واحتسابًا غُفرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ (البخاري، رقم 2014، مسلم، رقم 760)

عبادَ اللهِ، إذا كانتْ بدرٌ يومًا نزلتْ فيهِ الملائكةُ بالسيوفِ، فإنَّ ليلةَ القدرِ ليلةٌ تنزلُ فيها الملائكةُ بالرحمةِ، قالَ تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: 4]، فهناكَ نصرٌ عسكريٌّ، وهنا نصرٌ روحيٌّ، وهناكَ تثبيتُ أقدامٍ في الميدانِ، وهنا تثبيتُ قلوبٍ في المحرابِ، فمَن أرادَ نصرًا على عدوِّهِ، فليبدأْ بنصرٍ على نفسِهِ

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وليِّ الصالحينَ، ومؤيِّدِ عبادهِ المؤمنينَ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، جعلَ الرحمةَ أساسَ المجتمعِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، كانَ أجودَ الناسِ، وكانَ أجودَ ما يكونُ في رمضانَ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ

أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ، إذا كانتْ بدرٌ تعلِّمُنا النصرَ، وكانتِ العشرُ تعلِّمُنا المجاهدةَ، فإنَّ ثمرةَ ذلكَ كلِّهِ تظهرُ في الإحسانِ إلى عبادِ اللهِ، وفي رعايةِ الفقراءِ والمساكينِ

العُنْصُرُ الثَّالِثُ: فِقْهُ الإِحْسَانِ إِلَى الفُقَرَاءِ فِي رَمَضَانَثَمَرَةُ النَّصْرِ وَعُنْوَانُ الصِّدْقِ

عبادَ اللهِ، إذا كانتْ بدرٌ قد علَّمتْنا أنَّ النصرَ من عندِ اللهِ، وإذا كانتِ العشرُ الأواخرُ قد علَّمتْنا أنَّ القربَ من اللهِ طريقُ النصرِ، فإنَّ الإحسانَ إلى الفقراءِ هو البرهانُ العمليُّ على صدقِ هذا القربِ؛ لأنَّ العبادةَ التي لا تُثمِرُ رحمةً عبادةٌ ناقصةٌ، والقيامَ الذي لا يُنتِجُ إحسانًا قيامٌ لم يكتملْ نورُهُ

قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، فجعلَ طريقَ البرِّ يمرُّ عبرَ بوابةِ البذلِ، وجعلَ الصدقَ في المحبةِ للهِ يظهرُ في صورةِ عطاءٍ لعبادِهِ

أَوَّلًا: فَضْلُ الإِحْسَانِ وَتَفْرِيجِ الكُرُوبِ فِي رَمَضَانَ

عبادَ اللهِ، روى البخاريُّ ومسلمٌ عن ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «المسلمُ أخو المسلمِ لا يظلِمُه ولا يُسلِمُه مَن كان في حاجةِ أخيه كان اللهُ في حاجتِه ومَن فرَّج عن مسلمٍ كُربةً فرَّج اللهُ بها عنه كربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ ومَن ستَر مسلمًا ستَره اللهُ يومَ القيامةِ» (صحيح البخاري، رقم 2442؛ صحيح مسلم، رقم 2580)، فتفريجُ كربةٍ في الدنيا يقابلُهُ تفريجُ كربةٍ في الآخرةِ، وما أعظمَ كرباتِ الآخرةِ حينَ يقفُ العبدُ بين يدي اللهِ

وفي رمضانَ يتضاعفُ الأجرُ؛ لأنَّهُ شهرُ الفيضِ والقبولِ ومضاعفةِ الأعمالِ، وقد روى الترمذيُّ عن زيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «من فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجره، غير أنه لا ينقصُ من أجر الصائمِ شيئًا» (سنن الترمذي، رقم 807، وابن ماجه (1746)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (1048)، حديث حسن صحيح)، فلقمةٌ تُقدِّمُها لمحتاجٍ تُكتبُ لكَ بها عبادةُ يومٍ كاملٍ، وبابُ فضلٍ يُفتحُ لكَ دون أن ينقصَ من غيرِكَ شيءٌ

ثَانِيًا: رَمَضَانُ شَهْرُ الجُودِ النَّبَوِيِّ

عبادَ اللهِ، روى البخاريُّ ومسلمٌ عن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ أجودَ الناسِ، وكانَ أجودَ ما يكونُ في رمضانَ حينَ يلقاهُ جبريلُفلرسولُ اللهِ ﷺ أجودُ بالخيرِ من الريحِ المرسلةِ» (صحيح البخاري، رقم 6؛ صحيح مسلم، رقم 2308)، والريحُ المرسلةُ لا تُفرِّقُ بين بيتٍ وبيتٍ، ولا بين غنيٍّ وفقيرٍ، تهبُّ على الجميعِ، وكذلكَ كانَ جودُهُ ﷺ؛ جودًا يعمُّ، ورحمةً تشملُ، وعطاءً لا ينتظرُ شكرًا ولا ثناءً

ولم يكنْ جودُهُ ﷺ مالًا فقط، بل كانَ جودَ قلبٍ، وجودَ رحمةٍ، وجودَ وقتٍ، وجودَ اهتمامٍ، فمَن ادَّعى الاقتداءَ بهِ ﷺ فليظهرْ أثرُ ذلكَ في عطائِهِ، وفي أسلوبِهِ، وفي طريقةِ معاملتِهِ للمحتاجينَ

ثَالِثًا: آدَابُ الإِحْسَانِفِقْهٌ يَغِيبُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ

عبادَ اللهِ، ليستِ القضيةُ أن تُعطي فقط، بل كيفَ تُعطي؟ قالَ اللهُ تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: 263]، قالَ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: أي: من كلمةٍ طيبةٍ ودعاءٍ لمسلمٍ، ومغفرةٌ أي عفوٌ عن ظلمٍ قوليٍّ أو فعليٍّ، خيرٌ من صدقةٍ يتبعُها أذًى

وقد تُبطِلُ كلمةٌ أجرَ مالٍ، وقد تجرحُ نظرةٌ قلبًا جبرتهُ بصدقتِكَ

وقالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: 264]، فالمنُّ أن تُذكِّرَ الفقيرَ بعطيتِكَ، والأذى أن تُحرجَهُ أو تُشهِّرَ بهِ أو تُصوِّرَ حاجتَهُ أمامَ الناسِ، وفي الصحيحينِ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى في ظِلِّهِ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ، …» (البخاري، رقم 1423؛ مسلم، رقم 1031)

هذهِ هي قمَّةُ الإخلاصِ، أن يكونَ العملُ سرًّا بينكَ وبينَ اللهِ

رَابِعًا: كَرَامَةُ الفَقِيرِ قَبْلَ عَطِيَّتِهِ

عبادَ اللهِ، الفقيرُ ليسَ مشروعَ تصويرٍ، ولا وسيلةَ إعلانٍ، ولا مشهدًا لاستعراضِ الكرمِ، بل هو إنسانٌ لهُ كرامةٌ ومشاعرُ وأهلٌ، وقد قالَ ﷺ: «تبسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ صدقةٌ» (سنن الترمذي، رقم 1956، وقال: حسن صحيح)، فالبِشرُ صدقةٌ قبلَ المالِ، والكلمةُ الطيبةُ قد تكونُ أبلغَ أثرًا من العطاءِ نفسِهِ، فاجعلْ عطيتَكَ مقرونةً بابتسامةٍ، ونبرةِ احترامٍ، ودعاءِ خيرٍ، فإنَّ القلوبَ تُجبَرُ قبلَ البطونِ

خَامِسًا: رَمَضَانُ مِحْكَاكُ الصِّدْقِ

عبادَ اللهِ، الذي قامَ الليلَ في العشرِ ثم بخلَ على محتاجٍ في النهارِ لم يفهمْ مدرسةَ رمضانَ، والذي بكى في السجودِ ثم قسا قلبُهُ عن يتيمٍ لم تكتملْ توبتُهُ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]، قالَ الطبريُّ رحمهُ اللهُ: ولو كانَ بهم حاجةٌ وفاقةٌ إلى ما آثروا بهِ من أموالِهم على أنفسِهم

هذهِ هي قمَّةُ النصرِ الحقيقيِّ، أن تنتصرَ على شُحِّ نفسِكَ، وأن تُغلِبَ حبَّ الآخرةِ على تعلُّقِكَ بالدنيا

عبادَ اللهِ، بدرٌ علَّمتْنا أنَّ النصرَ من عندِ اللهِ، والعشرُ علَّمتْنا أنَّ الطريقَ إلى اللهِ مجاهدةٌ وقيامٌ، والإحسانُ علَّمنا أنَّ أقربَ الناسِ إلى اللهِ أرحمُهم بعبادِهِ، فمن أرادَ نصرًا في حياتِهِ فليبدأْ بقلبٍ خاشعٍ، ونفسٍ منكسرةٍ، ويدٍ معطيةٍ، ورحمةٍ تسعُ عبادَ اللهِ

اللهمَّ ارزقنا قلوبًا رحيمةً، وأياديَ كريمةً، وأعمالًا خالصةً، واجعلْ لنا في رمضانَ نصيبًا من النصرِ والقبولِ، واجعلْنا من عتقائِكَ من النارِ، إنَّكَ سميعٌ قريبٌ مجيبٌ

المراجع: القرآن الكريم

كتب الحديث: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، مسند أحمد، شعب الإيمان للبيهقي، مسند ابن أبي شيبة، زوائد المسند، مسند الشاشي

تفسيرُ الطبريِّ، تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير، شرح صحيح مسلم للنووي، فتح الباري لابن حجر، بدائع الفوائد، سير أعلام النبلاء للذهبي

د. أحمد رمضان

خُطبةُ صوتِ الدعاةِ – إعداد رئيس التحرير: الدكتور أحمد رمضان
___________________________________

خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف علي صوت الدعاة.

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة

 

تابعنا علي الفيس بوك

 

الخطبة المسموعة علي اليوتيوب

 

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات

 

و للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع

 

للمزيد عن أخبار الأوقاف

 

و للمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف

 

للمزيد عن مسابقات الأوقاف