مع حلول شهر رمضان، يستحضر الكثير من المصريين ذكرياتهم مع هذا الشهر الكريم، حيث تتنوع التفاصيل التي تعكس تلك الذكريات بدءًا من الروائح المميزة التي تملأ الأجواء، وصولًا إلى الروح التي كانت تسود الشوارع والمنازل في زمن “رمضان زمان” كما يُطلق عليه البعض.

تتجلى مشاعر الحنين في الأحاديث التي تُدور في المقاهي ووسائل المواصلات، وكذلك من خلال تشغيل أغنية “رمضان جانا” للمطرب الشعبي محمد عبد المطلب التي صدرت عام 1943.

كما تُظهر هذه المشاعر عبر بث تسجيلات قديمة على منصات التواصل الاجتماعي تتضمن أذان المغرب بصوت الشيخ محمد رفعت، بالإضافة إلى لقطات من برامج ومسلسلات وفوازير تركت أثرًا لا يُنسى في أذهانهم.

تتجلى الرغبة في استعادة الماضي أيضًا من خلال مبادرات مجتمعية تهدف إلى إحياء عادات التجمع وإفطار الأهل والجيران معًا، مثل مبادرة “مائدة المطرية” التي تُقام في الحي الشعبي العريق بالقاهرة.

تقول الصحافية المصرية هالة نور لـ”النهار”: “أتذكر في طفولتي، كانت مشاهد رمضان تركيبة عجيبة، مزيج يجعل للحياة طعماً آخر، سواء من المجتمع بشكل عام، والأسرة والجيران بشكل خاص، كانت بشائر الشهر تبدأ من الشارع البسيط، والزينة التي يكلف الأطفال مبالغ زهيدة لجمعها ليقوموا بصنعها بأيديهم وتزيين الشوارع بها”

تقول مديرة عام “أطلس المأثورات الشعبية المصرية” الدكتورة شيماء الصعيدي لـ”النهار”: “منذ زمن بعيد، ورمضان بمصر “حاجة ثانية”، وأول شيء يشعرنا بقدوم الشهر الكريم هي الزينة”

وتضيف خبيرة التراث الشعبي: “منذ عهد الفاطميين، ارتبطت الزينة الرمضانية بحلول الشهر الكريم، وإن كانت النشأة الأولى للزينة تعود إلى مصر القديمة، فالمصريون يعبرون عن أفراحهم ومناسباتهم السعيدة منذ القدم بتعليق الزينة”

تشير إلى أنه “في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان المصريون يتجمعون ويصنعون زينة رمضان من الأوراق الملونة وقصاصات الكشاكيل والجرائد القديمة، ويزينون بها شوارعهم بفرحة”.

تقول الصعيدي إن الحال تغير نسبيًا في الآونة الأخيرة، حيث يلجأ المصريون الآن إلى الزينة وأفرع النور الجاهزة، مما أدى إلى فقدان المتعة والمحبة التي كانت تسود المجتمع مع صنع زينة رمضان بأيدينا.

مع إدراكها لهذا التغير، حاولت خبيرة التراث هذا العام أن تستعيد التقليد الشعبي، حيث قررت أن تصنع الزينة بيديها مع أولادها، كي تُعلمهم كيف كان أهلهم يصنعونها، معتبرة أن هذه العملية قد تكون مرهقة للكبار، لكنها ممتعة للصغار وتمنحهم شعوراً بأنهم يبذلون جهداً احتفالاً خاصاً مع قدوم رمضان، مما يخلق شعوراً بالسعادة لديهم.

تقول الكاتبة المتخصصة في الشأن الاجتماعي رباب سعفان لـ”النهار”: “لا مقارنة بين رمضان بالماضي والآن، كنا سابقاً نشعر بحلوله في أدق التفاصيل من أصغرها إلى أكبرها، كنت أشعر بأن رمضان له رائحة خاصة، والأجواء الاجتماعية كانت مختلفة، بداية من لمة العائلة الكبيرة، وتجمعات الأهل والجيران والأصدقاء التي أحياناً كان من الصعب تلبيتها كلها نظراً لكثرتها”

تضيف الكاتبة: “الآن، قد يمر الشهر فتحضر تجمعاً واحداً، غالباً خلال اليوم الأول فحسب، وثمة أسباب متباينة لهذا التحول، ومن أهمها ارتفاع تكاليف المعيشة، وأيضاً انتشار ثقافة “الكمبوندات”، حتى بين من لا يعيشون فيها، فقد أصبح معظم الناس يعيشون في عزلة عن جيرانهم”

ترى سعفان أن “تجمعات الأهل والأحباء للإفطار ولصنع الزينة وتعليقها في الشوارع، كانت تدخل الفرحة إلى قلوب الصغار والكبار، وتشكل معلماً من معالم رمضان، ومن ثم كان لغيابها أثر على الشعور بالأجواء الرمضانية التي اعتدناها في الماضي”.

من الأمور المثيرة للتأمل أن مشاعر افتقاد “رمضان زمان” تأتي في وقت لم تتراجع فيه مظاهر الاحتفال بالشهر، بل على العكس ربما اتسعت وارتفعت كلفتها المالية.

على سبيل المثال، لم تعد الشوارع تزين بقصاصات الورق القديم أو زهيدة الثمن، بل تستخدم عقود اللمبات الكهربائية التي تمتد لأمتار، بتكلفة شراء وتشغيل عالية، حيث تستهلك الكثير من الطاقة، وقد استُبدلت الفوانيس الورقية الرخيصة بأخرى معدنية أو بلاستيكية أعلى جودة وسعراً، ولم تعد الزينة تقتصر على الشوارع فحسب، بل دخلت للبيوت والمفروشات، ما يفترض أنه أضفى أجواء رمضانية داخل المنزل.

تشير التقديرات إلى أن كلفة شراء المواد الغذائية وحدها في شهر الصوم ترتفع بمعدل 35 بالمئة مقارنة بالأشهر الأخرى، لتبلغ 2 ملياري جنيه مصري (ما يناهز 42 مليون دولار) يومياً.

تلك المؤشرات الإحصائية تعطي انطباعاً بأن الاحتفال بشهر رمضان في العصر الحالي، أفضل من ذي قبل، ومن ثم يفترض أن الشعور بالأجواء الرمضانية يكون أقوى، لكن ما يحدث هو العكس تماماً.