مع اقتراب شهر رمضان المبارك، عادت مشاهد التواجد الأمني المكثف إلى مدينة القدس، حيث تركزت هذه الإجراءات بشكل خاص في محيط البلدة القديمة والمسجد الأقصى، بالإضافة إلى بعض الأحياء السكنية في القدس الشرقية مما أثار اهتمامًا واسعًا في الأوساط المقدسية وأعاد إلى الأذهان سنوات سابقة ارتبط فيها الشهر الفضيل بإجراءات مشددة وقيود على الحركة والوصول إلى الأماكن المقدسة.
هذا الانتشار الأمني، الذي يأتي بعد فترة من الانخفاض النسبي، يتضمن عودة نقاط التفتيش والحواجز المؤقتة في محاور رئيسية، حيث تزامنت هذه الإجراءات مع تسيير دوريات راجلة ومتحركة في محيط باب العامود وساحات البلدة القديمة، بينما تؤكد الجهات الإسرائيلية أن هذه الإجراءات تهدف إلى حفظ الأمن ومنع أي تصعيد محتمل، يرى كثير من الفلسطينيين أن هذا النمط من الانتشار المكثف يتجاوز الطابع الاحترازي ويعكس سياسة تضييق موسمية تتكرر مع كل مناسبة دينية كبرى.
وفي ظل هذه الأجواء، وجه مسؤولو التعليم في المدينة نصائح واضحة إلى أولياء الأمور بضرورة تشديد الرقابة على أبنائهم خلال الشهر، خاصة عند خروجهم من الأحياء السكنية باتجاه مركز المدينة أو أماكن التجمعات العامة، حيث جاءت هذه الدعوات في إطار محاولة تجنب أي احتكاك غير ضروري قد يتطور إلى توترات ميدانية، في وقت يتطلع فيه الأهالي إلى شهر هادئ يغلب عليه الطابع الروحي والعائلي.
رمضان في القدس ليس مجرد مناسبة دينية، بل حالة اجتماعية متكاملة تتداخل فيها الطقوس التعبدية مع العادات الشعبية، من صلاة التراويح في المسجد الأقصى إلى موائد الإفطار الجماعية في ساحاته، ومن ازدحام الأسواق قبيل المغرب إلى السهرات الرمضانية في أزقة البلدة القديمة، غير أن التواجد الأمني المكثف يضيف عنصر قلق دائم كما يغير من إيقاع الحياة اليومية ويضع السكان في حالة ترقب مستمر.
وبالنسبة لسكان القدس الشرقية، فتتضاعف التحديات مع كل إجراء جديد، إذ لا تقتصر التأثيرات على الجانب الديني فحسب، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من حرية التنقل إلى القدرة على استقبال الأقارب من الضفة الغربية أو الداخل الفلسطيني، وهكذا يصبح الاستعداد للشهر الفضيل محاطًا بحسابات معقدة، تتعلق بمواعيد الحواجز، واحتمالات الإغلاق، وطبيعة الأجواء الميدانية.
أي تصعيد خلال رمضان لا يخدم الفلسطينيين، الذين يدركون حساسية المرحلة ويدفعون في العادة كلفة مباشرة لأي توتر ميداني، سواء من خلال تشديد الإجراءات أو فرض قيود إضافية على الحركة، ومن هذا المنطلق، تتعالى أصوات تدعو إلى تجنب منح مبررات قد تُستخدم لتكثيف الموانع والقيود، وإلى تغليب الحكمة في التعامل مع الاستفزازات المحتملة.
في المقابل، مازال المقدسيون ينتقدون سياسات الاحتلال، خاصة وأن تكثيف الانتشار الأمني قبيل رمضان يخلق أجواء مشحونة بدلًا من تهدئتها، ويعطي انطباعًا بأن الشهر يُستقبل بإجراءات استثنائية لا تنسجم مع طبيعته الروحية، كما أن الحفاظ على الأمن لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لفرض واقع يقيّد الحركة الجماعية ويؤثر على ممارسة الشعائر الدينية.
استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى احتكاكات فردية تتضخم سريعًا في بيئة حساسة بطبيعتها، خاصة في محيط المسجد الأقصى الذي يشكل بؤرة توتر تاريخية، وفي ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، يمكن لأي حادث محدود أن يتحول إلى قضية رأي عام، مما يضاعف من أهمية إدارة المشهد بحذر ومسؤولية من جميع الأطراف.
لا يمكن إغفال أن رمضان، رغم كل التحديات، يظل شهرًا تتجلى فيه مظاهر التكافل والتراحم بين المقدسيين، حيث تبادر العائلات والمؤسسات المحلية إلى تنظيم حملات دعم ومبادرات اجتماعية، إلا أن هذه الروح الجماعية تحتاج إلى بيئة مستقرة تتيح لها الازدهار، بعيدًا عن أجواء التوتر والقيود المفاجئة التي قد تعرقل الأنشطة المجتمعية.
في السياق الأوسع، يبدو أن المشهد في القدس يعكس معادلة دقيقة بين متطلبات الأمن كما تطرحها السلطات الإسرائيلية، وحق السكان الفلسطينيين في ممارسة حياتهم الدينية والاجتماعية دون تضييق مفرط، وتحقيق هذا التوازن يظل تحديًا متكررًا، يتجدد مع كل موسم ديني، ويختبر قدرة الأطراف المختلفة على تجنب الانزلاق إلى مواجهات لا يرغب بها أحد.
يقف المقدسيون على أعتاب شهر يأملون أن يحمل الطمأنينة لا التوتر، والسكينة لا المواجهة، وبين الدعوات إلى ضبط النفس، والانتقادات الموجهة لسياسات الاحتلال، يبقى الأمل معقودًا على أن تمر أيام رمضان بسلام، وأن تُصان قدسية المدينة وروحانيتها، بما يضمن الأمن والكرامة لجميع سكانها، بعيدًا عن دوامة التصعيد التي لم تجلب في السابق سوى مزيد من التعقيد والمعاناة.

