في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، تزداد العبادات وتعلو أصوات الدعاء، حيث يحرص الكثير من المسلمين على إحياء هذه الأيام من خلال الاعتكاف في المساجد وتكثيف أعمال الخير والصدقات، مما يعكس روح التعاون والمشاركة بين أفراد المجتمع في هذه الفترة المباركة.
تتداخل العبادات مع العادات الاجتماعية التي اعتاد عليها الناس لتوديع شهر الخير، فتجتمع الأسر في المساجد للصلاة وإحياء الليالي المباركة، كما تفعل عائلة الحاج أبو علي، التي تتجه مع أبنائها الثلاثة إلى مسجد الحي لإحياء ليالي العشر، حيث يقضون أوقاتهم بين الصلاة والدعاء وقراءة القرآن، وهذا التقليد هو ما اعتاد عليه أبو علي منذ طفولته عندما كان يرافق والده إلى المسجد، ويحرص الكثير من الأسر على الاستفادة من هذه الأجواء الروحانية الخاصة.
وفي ذات السياق، تكثر الحاجة أم إبراهيم من فعل الخير خلال هذه الأيام، حيث تسعى لمساعدة الأسر المحتاجة لتوفير احتياجاتهم من ملابس العيد، كما يقوم الشاب معتز بمبادرة سنوية لدعم الأطفال الأيتام، فيقوم بشراء الملابس والألعاب لهم، وهو ما بدأه منذ خمس سنوات بعد مشاركته في مبادرة لدعم هؤلاء الأطفال، مما أضفى فرحة العيد على وجوههم.
ومع اقتراب العيد، تبدأ الأسر في الاستعداد من خلال شراء ملابس العيد وحلوياته، حيث تتجه عائلة أبو يوسف مع أطفالها إلى السوق، مما يضفي طابعًا من البهجة والسرور على الأطفال، حيث يغرس أبو يوسف قيم الخير في نفوس أبنائه من خلال مساعدتهم في التصدق لمن يحتاج.
تعتبر العشر الأواخر فرصة ذهبية لزيادة الطاعات، حيث يوضح الاستشاري الاجتماعي الأسري مفيد سرحان أن هذه الأيام تحمل طابعًا خاصًا وتفتح فيها أبواب الرحمة، مما يجعلها فرصة لمراجعة النفس وتعويض ما قد فات من أعمال الخير، كما أن الاجتهاد في هذه الفترة يعود لوجود ليلة القدر، التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: “التمسوها في العشر الأواخر من رمضان”، حيث إن فضلها يعدل صيام رمضان وقيامه
ويشير سرحان إلى أن من أبرز الأعمال خلال العشر الأواخر إخراج الصدقات، التي تعتبر وسيلة لدفع البلاء ولها بركة كبيرة، كما أنها تسهم في تعزيز روح التعاون والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، حيث يتفقد الأغنياء أحوال الفقراء والمحتاجين، ويذكر أن هناك من يقدم المساعدة بشكل شخصي، بينما يقوم آخرون بالتبرع عبر المؤسسات الخيرية.
ويعتبر سرحان أن صلة الرحم والتواصل مع الأقارب من الأمور المهمة خلال هذه الفترة، حيث يسهم ذلك في تقوية الروابط الأسرية والاجتماعية، كما أنه يحث على ترك الخصومات وتصفية القلوب من الغل والحقد، مما يجعل هذه الأيام فرصة لتجاوز الخلافات.
تعد العشر الأواخر من رمضان أيضًا فرصة للتوبة الصادقة والعزم على عدم العودة إلى الذنوب، حيث يمكن استثمار هذه الأيام في تصفية النفس والتفكير في الأخطاء السابقة والعمل على إصلاحها، كما أنها تمثل فرصة لغرس مفهوم الصدقة في نفوس الأطفال، مما يسهم في بناء جيل أكثر وعيًا وتعاطفًا مع الآخرين.
ويؤكد سرحان على أهمية إشراك الأطفال في أعمال الخير، حيث إن ذلك يعزز لديهم قيمة العطاء منذ الصغر، مما يجعلهم أكثر حرصًا على البذل والعطاء في المستقبل، كما يجب على الأسر أن تستثمر هذه الأيام في تقوية العلاقات الأسرية، من خلال قراءة القرآن والاجتماع على قيام الليل ومساعدة الآخرين، مما يشعر الجميع بالمسؤولية والأهمية.
وفي سياق حديثه، يشدد سرحان على أهمية الدعاء في هذه الأيام المباركة، حيث يجب التوجه إلى الله بالدعاء لحفظ الوطن والأهل، ولرفع الكرب عن إخواننا المسلمين في كل مكان.

