يستقبل شهر رمضان المبارك الإمارات بمشاعر روحانية تعكس قيم الصيام والقيام والتواصل الاجتماعي، حيث تنتشر أجواء السكينة والفرح في جميع أنحاء الدولة، من أبوظبي إلى رأس الخيمة، ويعكس هذا الشهر تمازج عبق الماضي مع أصالة الحاضر، مما يبرز الهوية الإماراتية بوضوح.
قبل بداية الشهر الكريم، وتحديدًا في منتصف شهر شعبان، تظهر مظاهر الاحتفال من خلال تقليد “حق الليلة”، وهو عادة إماراتية قديمة تتوارثها الأجيال، حيث يخرج الأطفال في ملابس تقليدية زاهية ويجوبون الأحياء حاملين أكياسًا مزخرفة لجمع المكسرات والحلويات من الجيران الذين يستقبلونهم بحفاوة، ويشاركون في ترديد الأهازيج والأغاني التراثية، مما يعزز لديهم قيم العطاء والتواصل المجتمعي منذ الصغر.
مع دخول أول يوم من رمضان، تتحول البيوت الإماراتية إلى أماكن مليئة بالألفة والمحبة، حيث تجتمع العائلات في بيت الجد أو كبير العائلة لتناول أول وجبة إفطار، مما يؤكد على أهمية الأسرة كنواة للمجتمع الإماراتي، ويأتي هذا العام متزامنًا مع “عام المجتمع” في الإمارات، مما يعزز من أهمية الروابط العائلية والتكاتف بين الأجيال.
تتواصل العزائم على الإفطار طوال الشهر، حيث تتناوب العائلات على استضافة بعضها البعض، وتحضر النساء أشهى الأطباق التقليدية مثل “الهريس” و”الثريد” و”اللقيمات”، والتي تجمع الأحبة حول مائدة الإفطار، كما أن وجبة السحور تحتفظ بجوها الخاص حيث يجتمع الأفراد في الساعات المتأخرة من الليل، مما يضفي مزيدًا من الدفء والسكينة.
عند موعد الإفطار، يظل مدفع رمضان رمزًا مميزًا يثير حماسة الجميع، حيث يعلن دوي المدفع عن حلول وقت الإفطار، وهو تقليد تاريخي يعود إلى القرن التاسع عشر ولا يزال يحتفظ بمكانته في المجتمع الإماراتي، مما يضفي بهجة خاصة على الأجواء الرمضانية.
كما يبرز شهر رمضان في الإمارات كرمز للعطاء، حيث تنتشر “خيام الرحمن” التي تقيمها هيئات خيرية، وتقدم وجبات إفطار مجانية للصائمين، مما يعكس قيم التسامح والمساواة في المجتمع الإماراتي، ولا يقتصر العطاء على المؤسسات، بل يمتد ليشمل الأفراد والعائلات التي تعد كميات كبيرة من الطعام لمشاركتها مع الجيران والمحتاجين، مما يعكس روح العطاء السائدة في هذا الشهر.
بعد أداء صلاة العشاء والتراويح، تنعش ليالي رمضان المجالس الرمضانية التي يجتمع فيها الرجال والنساء لتبادل الأحاديث الودية، مما يعزز العلاقات بين الأهل والجيران، وتستمر هذه المجالس حتى ساعات متأخرة من الليل، ومع اقتراب العشر الأواخر من رمضان يزداد الإقبال على المساجد والاعتكاف.
تحرص الإمارات على توفير أجواء روحانية للجميع، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، مع الالتزام بإرشادات تعبر عن احترام مشاعر الصائمين، مثل تجنب تناول الطعام والشراب في الأماكن العامة خلال ساعات الصيام، والحرص على ارتداء ملابس محتشمة، مما يعكس تقديرًا لقدسية الشهر.
يبقى شهر رمضان في الإمارات أكثر من مجرد فترة للصيام، فهو احتفالية سنوية بالقيم الإنسانية النبيلة، ويعزز الروابط الأسرية، ويرسخ قيم العطاء والتسامح.

