مع اقتراب موعد الإفطار، تلاحظ حركة السيارات تتضاءل في شوارع الكومباوندات الهادئة حيث تتوجه العائلات إلى منازلها أو إلى الأندية الداخلية التي تنظم بعض الأسر موائد إفطار جماعية، ويبدو أن أجواء رمضان تتسم بطابع مختلف، فلا صخب الشوارع الضيقة ولا زينة تمتد بين البنايات، لكن السكان يسعون لتوفير أجواء مميزة للشهر الكريم داخل مجتمع يتسم بالأسوار والبوابات، ومع تزايد الإقبال على السكن في الكومباوندات خلال السنوات الأخيرة، برزت أنماط جديدة للاحتفال بالشهر الفضيل تجمع بين التقاليد الرمضانية المعتادة ووسائل التواصل الحديثة التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للسكان.

يُعتبر المسحراتى أحد أبرز الرموز الشعبية المرتبطة بشهر رمضان في مصر، حيث يجوب الشوارع ليلًا لإيقاظ الناس لتناول السحور، إلا أن وجوده داخل الكومباوندات السكنية ليس أمرًا شائعًا في جميع الأماكن، ففي بعض الكومباوندات يُسمح بدخول المسحراتى وفقًا لنظام محدد وأوقات معينة مقابل أجر، بينما تفضل إدارات أخرى الحفاظ على الهدوء الذي يميز هذه المجتمعات، مما يجعل ظهوره محدودًا أو غير موجود.

سلمى كمال، إحدى سكان مدينتى، أوضحت أن مظاهر رمضان تبدو محدودة مقارنة بالمناطق الشعبية، حيث لا يوجد مسحراتى يجوب الشوارع كما هو الحال في أحياء أخرى، وأشارت إلى أن الأطفال يمكنهم تعليق زينة رمضان بسيطة أمام منازلهم، مثل وضعها على الشرفات في حال السكن داخل عمارات، أو على أسوار الفيلات، بينما يضع بعض السكان فوانيس كبيرة أمام بيوتهم، إلا أن تعليق الزينة داخل الشارع نفسه غير مسموح، وأضافت أن بعض الأطفال ينزلون برفقة أسرهم قبل موعد أذان المغرب لتوزيع التمر والمياه أو وجبات بسيطة على المارة، في محاولة لإحياء أجواء التكافل خلال الشهر الكريم، كما أوضحت أن بنات شقيقها يشاركن أحيانًا في أجواء الاحتفال بإطلاق الصواريخ والألعاب النارية الخفيفة من الشرفة أو أمام المنزل بصحبة الأقارب فقط.

وفيما يتعلق بالتواصل بين السكان، أشارت إلى عدم وجود مجموعات تواصل عبر تطبيقات مثل واتساب، حيث تُستخدم صفحة المدينة على موقع فيسبوك كوسيلة رئيسية للتواصل، وغالبًا ما تُستخدم لحل المشكلات أو عند عرض وحدات للإيجار، ولفتت إلى أن العلاقات الاجتماعية بين الجيران تبدو محدودة للغاية، قائلة إن سكان الشارع لا يعرفون بعضهم البعض تقريبًا، موضحة أنهم يقيمون هناك منذ عام ٢٠١٨ ولا يعرفون سوى أسرة واحدة فقط، ومعرفتهم بهم سطحية تقتصر على إلقاء التحية عند المصادفة أو التحدث في حال حدوث مشكلة في الشارع، مؤكدة أن غياب التعارف بين الجيران أصبح أمرًا معتادًا لكنه يمثل جانبًا سلبيًا في الحياة داخل بعض المجتمعات السكنية الحديثة.

لا تغيب مظاهر الزينة الرمضانية عن الكومباوندات، لكنها تظهر غالبًا بشكل مختلف عن الأحياء التقليدية، ففي بعض الأماكن يحرص الأطفال مع أسرهم على تعليق الفوانيس والزينة أمام المنازل أو على الشرفات، وفي المقابل، تتولى إدارات بعض الكومباوندات تجهيز الزينة بشكل منظم في المداخل الرئيسية والحدائق، من خلال تعليق فوانيس كبيرة وإضاءات رمضانية تضفي أجواء احتفالية على المكان، فيما قالت منار على، إحدى سكان مدينة الشيخ زايد، إن مظاهر الاحتفال بشهر رمضان تختلف داخل الكومباوندات مقارنة بالمناطق السكنية العادية، موضحة أنه لا يوجد مسحراتى داخل الكومباوند، بينما يظهر في بعض المناطق السكنية العادية، حيث يمر المسحراتى مقابل أجر بسيط وينادى على أسماء الأطفال، في محاولة لإضفاء أجواء من البهجة.

وأضافت أن الأطفال داخل الكومباوند يعلقون بعض الزينة، لكنها تختلف عما كان شائعًا في الماضي، إذ تكون في الغالب عبارة عن سلاسل إضاءة فقط، وليست الزينة التقليدية المعروفة، أما في المناطق السكنية العادية، فيقوم السكان غالبًا بجمع أموال فيما بينهم لشراء الزينة وتعليقها في الشوارع كما كان يحدث قديمًا، وتابعت أن الأجيال الصغيرة لم تعد مرتبطة بالفوانيس والزينة الرمضانية التقليدية كما كان الحال سابقًا، حيث إن معظم الأطفال الآن يفضلون الخروج لتناول السحور في خيام أو أماكن تقدم أجواء رمضانية مميزة، مشيرة إلى أن الدعوات والتجمعات الاجتماعية خلال الشهر الكريم أصبحت تُنظم غالبًا عبر تطبيق واتساب، حتى بين أفراد العائلة الواحدة، بعد أن كانت تتم بشكل مباشر أو عبر الزيارات الشخصية في الماضي.

ورغم الهدوء النسبي الذي يميز الكومباوندات، فإن الأطفال يحرصون على خلق أجوائهم الخاصة خلال الشهر الكريم، فبعد الإفطار، يتجمع كثير منهم في المساحات الخضراء أو مناطق اللعب حاملين فوانيسهم، ويقضون الوقت في اللعب أو ركوب الدراجات، كما تنظم بعض إدارات الكومباوندات أنشطة رمضانية للأطفال، مثل مسابقات أو فعاليات ترفيهية بسيطة، تمنحهم فرصة للتفاعل والشعور بأجواء الشهر الكريم، ومع تطور وسائل التواصل، أصبحت جروبات الواتساب الخاصة بسكان الكومباوند وسيلة أساسية للتنسيق بين الجيران خلال شهر رمضان، فمن خلالها يتم تبادل التهاني بالشهر الكريم، إلى جانب تنظيم العزومات أو الدعوة لموائد إفطار جماعية داخل الكومباوند، وهو ما يسهل التواصل بين السكان خاصة في المجتمعات السكنية الكبيرة.

إسلام حمدى، أحد سكان كومباوند جاردينيا، بمنطقة القاهرة الجديدة، قال إنهم يستخدمون مجموعات الواتساب الخاصة بالسكان، وأصبحت الوسيلة الأساسية للتواصل بين الجيران خلال شهر رمضان، خاصة في المجتمعات السكنية الكبيرة، موضحًا أن هذه المجموعات تُستخدم لتبادل التهاني بالشهر الكريم، إلى جانب التنسيق بين السكان لتنظيم العزومات أو الدعوة إلى موائد إفطار داخل الكومباوند، وأضاف حمدى أن مثل هذه المجموعات ساهمت في تسهيل التعارف والتواصل بين الجيران، في ظل صعوبة اللقاء المباشر بشكل مستمر بسبب طبيعة الحياة داخل الكومباوندات واتساعها.

ويرى الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع، أن هناك فرقًا واضحًا في أجواء شهر رمضان بين الكومباوندات السكنية المغلقة والأحياء التقليدية في مصر، وهو فرق أصبح أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة مع اتساع الفجوة الاجتماعية وتزايد انتشار المجمعات السكنية الحديثة منذ عام 2020 وحتى الآن، وأوضح صادق أن الأحياء العادية والشعبية ما زالت تحافظ بدرجة كبيرة على المظاهر الرمضانية التقليدية، رغم تراجعها نسبيًا بسبب الظروف الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، مضيفًا أن الشوارع في هذه المناطق لا تزال تشهد انتشار الزينة والفوانيس المعلقة بين المنازل، إلى جانب وجود المسحراتى في بعض المناطق، وموائد الرحمن التي تُقام في الشوارع أو أمام المساجد لاستقبال الصائمين.

وأشار إلى أن مظاهر التفاعل الاجتماعي في تلك الأحياء تظل أكثر وضوحًا، حيث تنتشر لمّات العائلات والجيران والزيارات المباشرة، فضلًا عن الأجواء الشعبية التي تصاحبها أصوات الطبول والأغانى الرمضانية في الحارات، كما لفت إلى أن ظاهرة «إفطار المطرية» أصبحت نموذجًا بارزًا لمحاولة إحياء روح رمضان التقليدية، بعدما تحولت إلى حدث سنوى يحظى باهتمام إعلامى واسع ويجذب سفراء وسياحًا أجانب وشخصيات عامة ومؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي.

في المقابل، يوضح صادق أن الأجواء الرمضانية داخل الكومباوندات غالبًا ما تكون أكثر هدوءًا وخصوصية، بل يصفها البعض بضعف أو غياب المظاهر الجماعية التقليدية، مرجعًا ذلك إلى طبيعة التصميم المعماري لهذه المجمعات التي تعتمد على الأسوار والبوابات ونظم الأمن والشوارع الداخلية الهادئة، مما يقلل من انتشار الزينة الكبيرة أو الفوانيس المعلقة في الشوارع، وأضاف أن ثقافة السكان تلعب دورًا مهمًا أيضًا، إذ ينتمي معظم قاطني الكومباوندات إلى شرائح اجتماعية أعلى نسبيًا، غالبًا ما يميلون إلى قدر أكبر من الخصوصية وأقل قدر من التفاعل المباشر مع الجيران، مما يجعل العلاقات الاجتماعية أكثر هدوءًا وتنظيمًا، وأكد أستاذ علم الاجتماع أن هذه الظاهرة لا تعني غياب الروح الرمضانية داخل الكومباوندات بشكل كامل، إذ تشهد بعض المجمعات إفطارات جماعية أو فعاليات اجتماعية داخل المساحات المشتركة، لكنها تظل مختلفة في طبيعتها عن الأجواء المفتوحة والتلقائية التي تميز الأحياء الشعبية في مصر.