مع أذان المغرب في شهر رمضان، تتغير معالم الحياة في الكويت حيث تزداد الحركة داخل البيوت وتخف في الشوارع، ويبدأ نمط يومي مميز يختلف عن بقية أيام السنة، فشهر رمضان لا يُقاس بعدد ساعات الصيام فحسب بل بأعداد الأبواب المفتوحة والوجوه التي تلتقي في كل ليلة.

من لحظة مدفع الإفطار إلى “الديوانية”، ومن “القرقيعان” إلى “الغبقة”، يتحول هذا الشهر الفضيل إلى شبكة مترابطة من العلاقات والذكريات المشتركة، ويصبح الطعام وسيلة للتقارب، والزيارة عادة يومية، والعبادة جسرًا اجتماعيًا يعيد ربط الناس ببعضهم البعض.

وقبيل أذان المغرب، يتوجه الكثير من الأهالي، وخاصة الأطفال، إلى مواقع مدفع الإفطار لمتابعة لحظة إطلاقه، بينما يواصل المسحراتي، المعروف محليًا بـ “بو طبيلة”، جولاته الليلية في الأحياء مرددًا عبارات إيقاظ الصائمين للسحور، في تقليد حافظ على حضوره رغم تغير الزمن.

في الوقت ذاته، تستمر عادة تبادل الأطباق بين الجيران، المعروفة بـ “النون” أو “القصعة”، حيث يرسل كل منزل جزءًا من طعامه إلى الآخر، مما يجسد أسمى معاني التكافل الاجتماعي.

وعلى المائدة، تحضر الأطباق الشعبية بوصفها جزءًا أصيلاً من الذاكرة، مثل التشريب والهريس والمجبوس واللقيمات، لتكتمل صورة شهر لا يعيش فيه الناس العبادة وحدها، بل يعيشون تفاصيل مجتمعهم أيضًا، ويصبح رمضان في الكويت مناسبة لإحياء الروابط الإنسانية.

في منطقة الرميثية بمحافظة حولي، تلتزم عائلة “كمال” بالتقاليد الاجتماعية في رمضان، والتي تعكس طبيعة المجتمع المتماسك، ويتجلى الترابط الأسري بصورة واضحة من خلال كثافة الزيارات المتبادلة بين العائلات، مما يعكس القرب الاجتماعي والإنساني بين أفراد المجتمع.

ويقول أحد أفراد العائلة، محمد علي كمال، إن الزيارات العائلية تعد من أبرز العادات والتقاليد التي يحرص الجميع على الالتزام بها، وخاصة في شهر رمضان.

تشكل “الدواوين” إحدى أبرز السمات الاجتماعية المميزة للكويت، وهي مجالس مفتوحة تستقبل الزوار طوال العام، إلا أن حضورها يتضاعف في رمضان مع تنظيم أكبر للزيارات واللقاءات اليومية، حيث يجتمع الأصدقاء والأقارب لتبادل التهاني وتناول الإفطار أو السحور ومناقشة شؤون الحياة المختلفة.

ومن أبرز المظاهر الرمضانية أيضًا “الغبقة”، وهي تجمع اجتماعي يقام بعد صلاة التراويح، تنظمه العائلات أو أصحاب الديوانيات أو حتى المؤسسات والشركات، وقد يقام في المنازل أو في القاعات، ويتضمن وجبات خفيفة وأطباقًا شعبية، ويهدف إلى تعزيز العلاقات الاجتماعية وتوطيد الروابط بين أفراد المجتمع.

تعكس هذه الممارسات طابع المجتمع الكويتي القائم على التواصل المباشر والانفتاح الاجتماعي، إذ يتحول شهر رمضان إلى موسم واسع للقاءات والتقارب الإنساني والمحافظة على الإرث الاجتماعي المتوارث عبر الأجيال، وتُقدَّم خلالها “بوفيهات” متنوعة من المأكولات والمشروبات والشاي، مما يخلق مساحة مفتوحة للقاء وتبادل الأحاديث وصلة الرحم بين العائلات والأصدقاء.

كما تبلغ الاحتفالات الاجتماعية ذروتها في منتصف الشهر الفضيل مع احتفالية “القرقيعان”، حيث تحرص العائلات والجهات الرسمية والمؤسسات على تنظيم فعاليات مخصصة للأطفال، يتم فيها توزيع الحلويات والهدايا، ويردد الصغار أهازيج شعبية خاصة بالفتيات وأخرى بالأولاد، في أجواء من الفرح تعكس عمق الموروث الشعبي الكويتي.

أما المائدة الرمضانية، فيقول عنها كمال إنها تجمع بين الأطباق التراثية والحاضرة في الذاكرة الشعبية، وفي مقدمتها “التشريبة” المصنوعة من خبز الرقاق أو خبز التنور المقطع والمغمور بمرق اللحم، وغالبًا بمرق الباذنجان أو البامية، إضافة إلى “الهريس” والسمبوسة والكباب، وتبدأ الوجبة عادة بالشوربة.

ويشير كمال إلى أن الكويتيين يبدأون إفطارهم بالرطب أو التمر مع اللبن أو “الروب” والماء، فيما يتصدر المشروبات الرمضانية شراب “الفيمتو” بوصفه الأكثر حضورًا على الموائد، إلى جانب المشروبات التقليدية الأخرى.

وفيما يخص الحلويات، تحافظ “اللقيمات” و”صب القفشة” على مكانتهما بوصفهما من الأطباق الشعبية الشهيرة في رمضان، إذ تُقدَّمان ساخنتين مع الدبس أو القطر، وتُختتم بهما الوجبات والتجمعات الرمضانية التي تظل عنوانًا للتقارب والتواصل الاجتماعي في المجتمع الكويتي.

وفي محافظة الأحمدي، يقول الصحفي اللبناني المقيم في الكويت، ربيع يوسف، إنه يعيش في البلاد منذ أكثر من ثلاثة عقود، ومع كل عام يكتشف أن هذا الشهر ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو موسم اجتماعي كامل تُعاد فيه صياغة العلاقات الإنسانية.

ويوضح يوسف أنه يمكن للمرء أن يرى الصورة الأقرب لروح المجتمع الكويتي من خلال أبواب لا تُغلق، وضيوف يتناوبون، وموائد تُمدّ قبل أن يُسأل الضيف إن كان جائعًا.

ويبدأ البرنامج فعليًا مع الأيام الأولى بزيارات مكثّفة، لا تقتصر على الأقارب فحسب، بل تمتد أيضًا إلى اللقاءات المفتوحة مع الأصدقاء والزملاء وأبناء الحي.

في الكويت، رمضان ليس طقسا زمنيا عابرا، بل هو “تقويم اجتماعي متكامل”، وشهر تُرمم فيه العلاقات، وتُستعاد فيه الذكريات، وتُورَّث فيه العادات جيلا بعد جيل، وفقًا ليوسف، الذي أكد أنه لهذا السبب، وبعد ثلاثين عامًا، لا زال يشعر في كل مرة وكأنه يعيش رمضانه الأول.

ويضيف يوسف أن من العادات الكويتية المعروفة أيضًا في شهر رمضان اجتماع الكويتيين قرب مدفع الإفطار قبل الأذان بوقت طويل، وإقامة موائد الرحمن في الكثير من المساجد، حيث يقدم فيها الطعام وقت الإفطار للفقراء والمحتاجين في جميع أنحاء البلاد.

ويتم شراء الأواني المنزلية الفاخرة والمتنوعة لاستخدامها خصيصًا في العزائم الرمضانية، مع استمرار ظاهرة “بو طبيلة” أو المسحراتي في الكثير من الأحياء، وقد أُطلق عليه هذا الاسم نسبة إلى الطبل الصغير الذي يستخدمه أثناء تجواله.

أما في محافظة الجهراء، فلا يختلف الأمر كثيرًا عما هو عليه في باقي محافظات الكويت، حيث يقول فهد العبد الجليل إن رمضان في الكويت ليس مجرد برنامج زمني يبدأ بالإفطار وينتهي بالسحور، بل هو دورة اجتماعية كاملة تتكرر كل ليلة، تبدأ بالعائلة في المنزل، ثم المجتمع في المسجد، وتنتهي في الديوانية، لتبقى الروابط حاضرة قبل الطعام وبعده.

وتعتبر “الدواوين” هي القلب الاجتماعي النابض للكويت، ففي رمضان تزدحم هذه المجالس بالزوار، وتتحول إلى مساحة يومية لتبادل الأخبار والآراء، وإقامة المسابقات الرمضانية، وتناول وجبات السحور.

فهي لا تقوم فقط على أصول الضيافة، بل على آداب الحوار والتواصل، ويلتقي فيها كبار السن بالشباب وتنتقل الخبرات والتجارب في جلسات تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل، مما يجعل من رمضان موسمًا لتجديد العلاقات الإنسانية بقدر ما هو موسم للعبادة.

أما المائدة الكويتية، كما يصفها العبد الجليل، فهي ليست مجرد وعاء للطعام، بل هي ذاكرة متوارثة، تتوسط فيها أطباق الهريس والتشريبة والمجبوس، فيما تأتي اللقيمات لتكون خاتمة حلوة للوجبة.

ودائمًا ما يبدأ الناس إفطارهم بالتمر والماء اقتداء بالسنة النبوية، وبعد ذلك، يخرج المصلون إلى المساجد لأداء صلاة التراويح، وهي لحظة روحانية جماعية يشعر فيها المجتمع كله بإيقاع واحد، إذ تمتلئ المساجد بالمصلين في مشهد إيماني يتكرر كل ليلة طوال أيام الشهر الفضيل.