يستقبل سكان غزة شهر رمضان للمرة الثالثة في ظروف صعبة، حيث لا يقتصر الأمر على الفرحة بقدوم الشهر الفضيل، بل أصبح تحديًا يوميًا في مواجهة الخراب الذي يحيط بهم، ويعكس واقعًا مريرًا يتجاوز حدود الخيال، حيث يتحول استقبال هذا الشهر إلى فعل صمود مستمر، مما يجعل طقوسه تعكس أيضًا صعوبات الحياة اليومية.
يتساءل الكثيرون عما إذا كانت الهدنة تعني انتهاء المعاناة، ولكن القصف لم يتوقف، وركام المنازل لا يزال يحجب الأمل، مما يجعل شهر رمضان يحمل في طياته العديد من التحديات التي تذكر بالمآسي المستمرة.
تتجلى معاناة سكان غزة في التذكير بالذكريات المؤلمة، فنداء السحور يستحضر أصواتًا غابت، ومائدة الإفطار تذكرهم بكراسي فارغة، كما أن لمة العائلة تثير حنينًا لأيام مضت، مما يجعل التعافي من الآلام مؤجلًا بفعل الظروف المحيطة.
الحلقة المفرغة من الصدمات
تتناقض الأدبيات النفسية التي تتحدث عن التعافي التدريجي مع واقع سكان غزة، حيث يواجهون صدمات متتابعة، يتبعها نزوح وقصف وفقد وجوع، مما يجعلهم يدورون في حلقة مفرغة من الألم، فكلما حاولوا التعافي، تعود الصدمات لتذكرهم بالواقع المرير الذي يعيشونه.
تتجلى طقوس رمضان في تحفيز الذكريات المؤلمة، مما يجعلها تذكيرًا دائمًا بالمعاناة، حيث تبقى الجراح نازفة في ظل الظروف القاسية التي يعيشها السكان.
اقتصاد الحرمان
يؤثر الوضع النفسي على الواقع المادي، حيث يسعى الاحتلال بكل الوسائل لانتزاع الفرحة من قلوب الغزيين، مما يجعل شهر رمضان يتحول إلى تجربة مليئة بالتحديات، حيث يحتاج القطاع إلى أكثر من ألف شاحنة يوميًا لتلبية احتياجاته، لكن الاحتلال يسمح بمرور أقل من ربع هذا العدد، مما يعكس محاولة إبقاء حياة الغزيين تحت خط الكفاف.
في ظل ارتفاع الأسعار ونقص الموارد، يجد المواطن الغزي نفسه في معركة يومية لتأمين احتياجاته الأساسية، مما يجعل رمضان تجربة صعبة تتجاوز مجرد كونه شهر الرحمة والمغفرة.
رحلة التيه: من خنجر رفح إلى حنين غزة
يختصر رمضان الحالي مأساة النزوح، حيث عايشت فصولًا من التيه بين مدن القطاع، ففي العام الأول كان رمضان في رفح يعكس غربتي، وفي العام الثاني كان في دير البلح يذكرني بما تركته خلفي، أما اليوم، عودتي إلى غزة تحمل رغبة قوية لاستعادة الحياة بكل تفاصيلها.
أحن لضجيج الشوارع والزحام، وأشتاق لزيارات الأرحام والعزومات الرمضانية، بل حتى لأصوات الباعة وازدحام المساجد، مما يعكس رغبة جماعية في العودة للحياة رغم الظروف الصعبة.
رائحة القطايف كعطر للبقاء
في رحلتي اليومية، كانت حواسي تبحث عن مؤشرات الصمود، حيث استوقفتني رائحة القطايف، فتعرفت على بائعها الذي تحدث بفخر عن كونها رمزًا للفرح في رمضان، مما جعلني أدرك أن الرغبة في استعادة الحياة ليست مجرد مشاعر فردية، بل نبض جماعي يسري في المدينة.
قد يبدو هذا المشهد بسيطًا، لكنه يعكس فعل مقاومة، فاستمرار صنع القطايف رغم الظروف القاسية هو رفض للسياسات الاحتلالية، وحماية للتراث، ومحاولة للبحث عن الفرح في أوقات الألم.
رمضان في غزة هو حالة تراجيدية، حيث تتعانق أصوات التكبير مع ضجيج الطائرات، ورائحة البخور تمتزج بغبار القصف، ومع ذلك قرر السكان الاحتفال بأقل الإمكانيات، مما يعكس تمسكهم بحقهم في الوجود والصلاة.
الفانوس الذي يضيء الخيمة ليس للزينة فقط، بل هو صرخة تحدي في وجه الظلام، ورسالة تعبر عن استمرار الحياة رغم كل التحديات، مما يعكس قوة الإرادة في مواجهة المحن.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

