مع بداية شهر رمضان، تتغير جوانب الحياة اليومية بشكل جذري، حيث لا تقتصر التغييرات على مواعيد الطعام بل تمتد لتشمل إيقاع الجسد والعلاقات الاجتماعية، مما يعكس تحولًا في صورة الإنسان عن ذاته، ومن منظور الأنثروبولوجيا الثقافية، يُعتبر رمضان أكثر من مجرد شهر تعبدي، بل هو “مختبر اجتماعي” سنوي يعيد صياغة العلاقة بين الفرد وجسده، وبين الذات والمجتمع، وبين الإنسان والزمن.
الطقس بوصفه نظامًا لإعادة المعنى
يصف الأنثروبولوجي البريطاني Victor Turner الطقس بأنه لحظة انتقالية يخرج فيها الفرد من الروتين اليومي إلى حالة خاصة تتجاوز العادة، وخلال شهر رمضان، يدخل المجتمع ككل في هذه الحالة الانتقالية، حيث يصبح النهار مختلفًا عن المعتاد والليل يحمل طابعًا خاصًا، وتُعاد صياغة مفاهيم مثل الجوع والصبر والإنجاز بشكل رمزي، فالصوم لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل يمثل “إعادة تعريف للسيطرة” التي يمارسها الإنسان على رغباته وانفعالاته وعاداته، مما يعيد بناء “الذات المنضبطة” التي تدرب نفسها على تأجيل الإشباع، وهو مفهوم تناولته دراسات عالم النفس الأمريكي Walter Mischel حول ضبط النفس، وعادةً ما يُنظر إلى الجسد كأداة وظيفية في الحياة اليومية، لكن في رمضان يتحول الجسد إلى مساحة للرمز والمعنى، حيث يصبح الجوع تذكيرًا بالفقراء والعطش تمرينًا روحيًا، والإرهاق اختبارًا أخلاقيًا، وتُعرف هذه العملية بـ “إعادة ترميز الخبرة الجسدية”، حيث لا يُفهم الإحساس البيولوجي في ذاته بل في سياقه الثقافي، فالجوع في سياق المجاعة يرمز إلى العجز، بينما الجوع في رمضان يرمز إلى القوة والانضباط والسمو الأخلاقي، مما يحدد المعنى التجربة النفسية.
الصوم كإعادة توزيع للقوة الداخلية
في عالم معاصر يتسم بالاستهلاك الفوري والإشباع السريع، يمثل رمضان حالة مقاومة ثقافية ناعمة تعيد الاعتبار لفكرة “القدرة على الامتناع”، وهذا الامتناع لا يُضعف الفرد نفسيًا كما قد يُتصور بل يمنحه شعورًا بالكفاءة الذاتية، أي الإحساس بأنه قادر على التحكم في سلوكه، وتُعزز هذه الخبرة المتكررة ما يسميه علماء النفس “الضبط الذاتي طويل المدى”، وهو أحد أهم مؤشرات النضج النفسي، ومن هنا يمكن فهم لماذا يشعر كثيرون بعد رمضان بارتفاع في تقدير الذات والصفاء الداخلي، حيث يحدث نوع من إعادة توزيع الإحساس، فالزكاة والصدقات وموائد الإفطار ليست مجرد واجبات دينية بل آليات اجتماعية لإعادة توزيع التعاطف، حين يجرب الإنسان الجوع، ولو لساعات محدودة، تتسع قدرته على فهم معاناة الآخرين، وفي الأنثروبولوجيا النفسية تُعتبر هذه الخبرة “محاكاة وجدانية منظمة”، حيث يصمم المجتمع تجربة جماعية تُنمّي التعاطف وتقلل من التفاوت الشعوري بين طبقاته.
إن رمضان ليس مجرد شهر في التقويم بل هو “نص ثقافي” يُعاد قراءته كل عام، في زمن تتسارع فيه الحياة وتتداخل فيه الهويات، يأتي رمضان ليمنحنا فرصة سنوية لإعادة ترتيب الداخل قبل الخارج وتجديد العلاقة بين الروح والجسد وبين الفرد والجماعة.
رمضان – في جوهره – ليس امتناعًا عن الطعام بل هو اقتراب من المعنى.
د. عايشة نجاح
باحثة دكتوراه في الأنثروبولوجيا الثقافية.

