تُعتبر أجواء شهر رمضان في تونس تجربة فريدة، حيث يملأ السكون الأحياء بينما يتردد صوت عذب ينساب من نوافذ المنازل، وهو صوت المقرئ الراحل الشيخ علي البرّاق الذي ارتبط اسمه بقدوم هذا الشهر الفضيل وأصبح جزءًا لا يتجزأ من الثقافة التونسية، حيث يتمتع التونسيون بتلاواته طوال العام عبر التلفزة الوطنية، حيث تُفتتح وتُغلق البرامج بتلاوته، وتُرفع أذان الصلوات الخمس بتسجيلاته النادرة.
الشيخ علي البراق وُلد عام 1899 في رابعة الثلاث بمحافظة القيروان وسط غربي تونس، حيث نهل من الثقافة القرآنية الأصيلة قبل أن ينتقل إلى العاصمة تونس في الثلاثينيات من القرن العشرين.
على الرغم من كونه كفيفًا في طفولته، إلا أن ذلك لم يمنعه من التميز في مجال تلاوة القرآن، حيث كان يحفظ قصائد مدح الرسول عليه الصلاة والسلام وأدبيات أخرى، كما ذكر الدكتور محمد الحبيب العلاني، الأستاذ في جامعة الزيتونة.
أتمّ الشيخ علي البراق حفظ القرآن وتجويده في مسقط رأسه تحت إشراف شيوخ كبار مثل محمد خليف والهادي بن محمود الغزي، كما كان نشطًا في مجالس الزاوية القادرية، حيث تلقى حفظ الدواوين والأناشيد والتقى بشيخ المالوف التونسي حمودة الزرقاء.
بدأت مسيرته المهنية في عام 1938 عندما شارك في مناظرة تلاوة القرآن التي نظمتها مؤسسة الإذاعة التونسية، حيث كان من بين المتفوقين واحتل مكانة بارزة في البث الرسمي لهذه المؤسسة، وبدأت تلاواته تُبث عبر الإذاعة برواية قالون عن نافع، مما جعله صوتًا بارزًا في المناسبات الدينية في تونس.
يُعرف الشيخ علي البراق بإلمامه بالجانب الأكاديمي، حيث درس في جامع الزيتونة وهو من أهل الذكر في تخصص القراءات، مما أكسبه معرفة عميقة في علوم القرآن.
يمثل الشيخ البراق الشخصية التونسية التقليدية، حيث يرتدي الجبة واللحاف الأبيض، ويحمل في صوته خلاصة المدرسة القيروانية القديمة، كما أثرى تجربته الموسيقية بالتعاون مع الفنان الراحل محمد التريكي، مما أكسبه إبداعاته الخاصة في التلاوة.
للشيخ علي البراق مكانة خاصة في قلوب التونسيين، حيث يمثل جانبهم الشعبي الأصيل، وتساهم تسجيلاته القديمة في إحياء ذكريات الماضي، خاصة في شهر رمضان، حيث يتسابق رواد مواقع التواصل الاجتماعي لتداول مقاطعه.
حافظ الشيخ البراق على اللمسة التونسية في تلاوته، إذ كان لديه القدرة على الدمج بين الطبوع التونسية، مما أضاف طابعًا خاصًا لتلاواته، حيث كانت له إبداعات شخصية تطورت من الصيغ المعروفة آنذاك.
يعتبر الأستاذ العلاني أن الشيخ علي البراق أصبح أيقونة ثابتة في الثقافة التونسية، حيث يمثل رمزًا لموروث ثقافي يفتخر به التونسيون، كما ينتظرون سماعه بشغف خلال شهر رمضان، لما يحمله من معاني نبيلة وقدسية.
صوت علي البراق يُعيد إلى الأذهان الذكريات القديمة لبدء الحضارة العربية، ويُعتبر المقرئ الأول في تونس، حيث كان يُدعى للمناسبات الدينية لتلاوة القرآن، تاركًا إرثًا عميقًا يحتفي به التونسيون، حيث كان المقرئ والمؤذن بجامع صاحب الطابع بالحلفاوين وسجّل ختمة قرآن كاملة للإذاعة التونسية.
بعد انبعاث التلفزة الوطنية عام 1966، سجّل الشيخ الراحل عدة تلاوات للقرآن الكريم، كما رتل القرآن في المقام النبوي بالمدينة المنورة عام 1963، وقد أثنى عليه الأديب المصري طه حسين، مُعتبرًا أن صوته يعيد إلى الزمن الأول لنزول القرآن.

