جاكرتا يشهد سكان جزر إندونيسيا -التي تُعتبر أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم- شهر رمضان كفرصة ليس فقط للصيام والقيام بل أيضًا لتعزيز الروابط الأسرية والعلاقات الاجتماعية حيث تتداخل الطقوس المحلية والتقاليد المتوارثة لتضفي على أيام الشهر الكريم طابعًا مميزًا يعكس الثقافة الإندونيسية.

تتجلى تجارب رمضان في إندونيسيا من خلال ثلاث مراحل رئيسية زمنياً تشمل الفترة التي تسبق بدء الصيام، وتجربة الصيام نفسها، والأيام التي تسبق عيد الفطر وأيام العيد كما يوضح أوليا إسواراتاما من جامعة سونان كاليغاغا الإسلامية في جوغجاكرتا إذ تعكس هذه المراحل فهم المسلمين الإندونيسيين لممارساتهم الدينية وتجسيدها.

في مقال نشر في مجلة الأفكار للدراسات الإسلامية، يصف إسواراتاما التقاليد التحضيرية التي تسبق رمضان كنوع من “الانفصال” عن الحالة السابقة للفرد في الوعي الجمعي، وتعتبر “الطقوس” أو الواجبات التي تُمارس خلال شهر الصيام مرحلة انتقالية تتميز بالانضباط والتفاني الروحي، بينما الاحتفال بعيد الفطر يرمز إلى إعادة الاندماج والعودة إلى النقاء الأساسي للفرد.

قبل أسبوعين من حلول رمضان، تبدأ أجواء الشهر الكريم بالانتشار في المدن والقرى، حيث تزداد الإعلانات عن الأطعمة والمشروبات والملابس الرمضانية على وسائل التواصل الاجتماعي والبث التلفزيوني مما يشجع الناس على التسوق استعدادًا للشهر المبارك.

وفي الوقت نفسه، يقوم الكثيرون بزيارة المقابر لتنظيف وتزيين قبور أحبائهم الراحلين، ونثر الزهور والدعاء لهم، وفي المناطق الشرقية والوسطى من جزيرة جاوا، يُعرف هذا التقليد باسم “نيادران” وله جذور تاريخية تعود إلى عصر الممالك الجاوية.

وعلى طول الساحل الشمالي لجزيرة جاوا، يحتفل سكان مدينة سيمارانغ الساحلية بقدوم رمضان من خلال موكب “دوغدران” الذي يتضمن عروضًا موسيقية تقليدية وإيقاعات طبول “البيدوغ” الكبيرة، وتعتبر هذه الطبول جزءًا من التراث حيث تُدق قبل أذان المغرب مباشرة لتعلن دخول وقت الإفطار.

كما أن قدوم شهر رمضان يشمل طقوسًا للتطهير الذاتي لدى بعض المجتمعات، مثل مجتمع “مينانغ كابو” في إقليم سومطرة الغربية، حيث يحتفل الناس بـ “باليمو”، وهو حمام تطهيري يتم في الأنهار أو في المنازل باستخدام ماء مخلوط بالزهور والليمون، مما يرمز إلى التطهير الروحي قبل دخول الشهر المقدس.

تشهد إندونيسيا تغيرات واضحة في تقاليد صلاة التراويح خلال العقدين الأخيرين، مع زيادة إقبال الناس على حفظ القرآن الكريم وافتتاح المزيد من معاهد تحفيظ القرآن، إلى جانب حضور أئمة من دول عربية مثل اليمن ومصر وفلسطين، حيث بدأت ثقافة الإمامة بطوال السور تنتشر في بعض المساجد.

ومن المساجد المعروفة في العاصمة جاكرتا التي يختم أئمتها القرآن أو بعضًا منه: مسجد الاستقلال الكبير، ومسجد معهد وكلية الحكمة، ومسجد سوندا كلابا، ومسجد الفتاح، والمعهد العثماني، والأزهر

مع بدء رمضان، تتغير الحياة اليومية حيث يقوم الشباب بدوريات المسحراتي في شوارع الأحياء أو القرى لإيقاظ السكان لتناول السحور، ويقرعون الطبول بشكل إيقاعي بينما يردد آخرون ترانيم تذكّرهم بالاستيقاظ وتناول الطعام، وتعزز هذه الممارسة الروابط بين الجيران الذين يتشاركون نفس الساعات المبكرة.

يهتم الإندونيسيون بوجبة السحور التي تكون عادةً وجبة ثقيلة، حيث يُعتبر الأرز عنصرًا أساسيًا مع أطباق تقليدية أخرى، وترتبط هذه الوجبة بالقدرة الاقتصادية للأسرة، وكلما تحسن وضعها كانت مائدة السحور أكثر تنوعًا.

تخصص قنوات تلفزيونية برامج خاصة بفترة السحور، بعضها ترفيهي وبعضها ديني وحواري، بجانب المسلسلات الرمضانية الخفيفة ذات الرسائل القيمية والروحانية، ولكن بدأ ارتباط الجيل الصاعد بهواتفهم النقالة يتزايد على حساب شاشة التلفزيون.

مع اقتراب المغرب، تزدهر الأكشاك على جوانب الطرق، حيث يبيع الباعة الجائلون “الكولاك”، وهو حلوى تقليدية من حليب جوز الهند الممزوج بالموز والبطاطا الحلوة، بالإضافة إلى الوجبات الخفيفة المقلية والمشروبات الباردة، وتعتبر هذه الأنواع من الوجبات الخفيفة جزءًا من النمو الاقتصادي خلال شهر رمضان.

تتزامن أقوى موجات النمو الاقتصادي في إندونيسيا مع فترة رمضان إلى عيد الفطر، حيث يؤدي الشهر الكريم إلى زيادة كبيرة في استهلاك الأسر، ويرتبط ذلك بقانون يلزم الحكومة والشركات بمنح موظفيهم راتبًا إضافيًا خاصًا بالأعياد.

تشير التوقعات إلى أن الزيادة الموسمية في الاستهلاك قد تعزز النمو الاقتصادي الوطني بنسبة تتراوح بين 0.23% و0.3%، وقد أطلقت الحكومة حزمة تحفيزية بقيمة تقارب 760 مليون دولار قبل رمضان وعيد الفطر كإجراء لحماية القوة الشرائية.

ومع اقتراب الأيام الأخيرة من رمضان، تسود أجواء “الموديك” حيث يعود ملايين سكان المدن إلى مسقط رأسهم في الأرياف، وتنقل الطائرات والحافلات والقطارات والدراجات النارية المسافرين من المراكز الحضرية إلى القرى.

تشير بيانات وزارة النقل الإندونيسية إلى أن حركة العائدين قد تصل إلى 143.91 مليون شخص، وقد أعدت الحكومة نظام النقل بشكل أكثر شمولاً لتلبية هذه الحركة المتزايدة.

عشية عيد الفطر، تنظم المجتمعات المحلية مسيرات التكبير وتملأ الأجواء بالهتافات، ويبدأ صباح العيد بالصلاة في المساجد أو الحقول المفتوحة، وتقوم العائلات بزيارة كبار السن لتبادل التهاني وطلب العفو، وتوزع “العيديات” ويُعد الطعام التقليدي جزءًا لا يتجزأ من الاحتفالات حيث تتميز المائدة بأطباق مثل “الكتوبات” و”الريندانغ” و”أوبور الدجاج”.

تعتبر عطلة عيد الفطر موسمًا يستفيد منه الجميع حتى غير المسلمين، حيث تُعد عطلة وطنية شاملة، ومن لا يعود إلى قريته ينطلق في رحلات سياحية، مما يجعل المدن الكبرى خالية من سكانها لأيام في مشهد سنوي مهيب.