أكد الشيخ أحمد سيف، الداعية الإسلامي، أن الأساس الذي يجب أن يبنى عليه تعامل المسلم مع الآخرين هو الرحمة، مستنداً إلى ما ذكره الإمام عبد الوهاب الشعراني في حديثه عن العهود النبوية، حيث أشار إلى أن المؤمن الحقيقي يجب أن يكون وجوده بين الناس مبنياً على الرحمة، مما يتيح له مساعدة الآخرين وتسهيل أمورهم وتقريب المسافات بينهم، كما أنه يجب أن يكون ميزان عدل بين الناس عند الحكم بينهم، مما يتطلب منه الالتزام بالعدل والإنصاف دون تحيز لطرف على حساب آخر.
وأضاف سيف خلال حلقة برنامج “العهود النبوية” المذاع على قناة “الناس” أن الإمام الشعراني بدأ حديثه بالتأكيد على هذا المعنى قبل تناول موضوع العهد، حيث أن العهد الذي سيتناوله يعد حساساً، وغالباً ما يؤدي غياب معاني الرحمة والعدل إلى العديد من المشكلات في حياتنا اليومية، موضحاً أهمية التنبيه على العلاقات الإنسانية، وخاصة العلاقة الزوجية، حيث ينبغي أن يُرغَّب كل طرف في أداء حقوق الطرف الآخر، فيجب على الزوج الوفاء بحق زوجته وحسن عشرتها، كما يجب على الزوجة الوفاء بحق زوجها وطاعته وعدم مخالفته، ويُتلى على كل منهما ما ورد عن الشارع صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن.
وأشار إلى أن المشكلة التي نواجهها اليوم تكمن في أن كثيراً من الخطاب يركز على حقوق الإنسان دون الالتفات إلى الواجبات، مما يجعل كل طرف يشعر بأن لديه حقوقاً يجب أن تُعطى له، بينما كان خطاب النبي صلى الله عليه وسلم مختلفاً حيث كان يوجه كل طرف لتأدية ما عليه من واجبات قبل التطرق إلى حقوقه، مما يعزز شعور المسؤولية لدى كل فرد قبل أن يشعر بأنه صاحب حق.
وأوضح أن هذا المعنى يتضح في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، حيث خاطب كل إنسان بمسؤوليته أولاً، فالرجل راعٍ في أسرته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، مما أسس النبي صلى الله عليه وسلم العلاقات على الشعور بالمسؤولية قبل المطالبة بالحقوق
وبيّن الشيخ أحمد سيف أن إصلاح العلاقات الأسرية يبدأ من هذا الفهم، حيث ينبغي على كل فرد أن يسأل نفسه أولاً: ما حق الطرف الآخر عليّ؟ قبل أن يسأل عن حقه عنده، لأن الإنسان إذا أدى ما عليه، فإن النفس السوية ترد المعروف بمثله، وحتى إن لم يؤدِّ الآخر ما عليه، فإن الإنسان يلقى الله وهو صاحب حق لا صاحب ظلم
وأشار إلى أن العلاقات يمكن أن تقوم على مرتبتين: مرتبة العدل ومرتبة الفضل، فمرتبة العدل تعني أن يؤدي كل إنسان ما عليه من حقوق، أما مرتبة الفضل فتشير إلى أن يبذل الإنسان أكثر مما يجب عليه لإدخال السرور على الطرف الآخر، مما يسهم في تحقيق التوازن والسعادة داخل البيوت
وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع ميزان الخيرية في الرجال حين قال: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، موضحاً أن هذا الميزان يختص بالبيت، حيث أن المنزل هو المكان الذي تُظهر فيه حقيقة الإنسان دون تكلف، فقد يستطيع الإنسان أن يظهر الصبر وحسن الخلق أمام الناس، لكن طبيعته الحقيقية تظهر مع أهله
كما أشار إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم»، مؤكداً أن كمال الإيمان يظهر في حسن الخلق، وخاصة مع الزوجة والأهل، لأنهم أقرب الناس إلى الإنسان وأكثرهم احتكاكاً به
وأوضح الشيخ أحمد سيف أن السيدة عائشة رضي الله عنها نقلت صورة دقيقة لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، حيث قالت إنه لم يكن يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، وإنما كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله، بينما الأمور الدنيوية التي تخصه لم تكن تستدعي غضبه، بل كان يعفو ويصفح.
وأكد أن ميزان الخيرية للنساء أيضاً واضح في السنة النبوية، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة»، كما قال: «إذا صلت المرأة خمسها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها ادخلي من أي أبواب الجنة شئت»
ولفت إلى قصة الصحابية أسماء بنت يزيد رضي الله عنها حين جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله عن نصيب النساء من الأجر، حيث قالت إن الرجال يسبقونهن بأعمال مثل الجهاد وحضور الجمع والجماعات وشهود الجنائز، فبيّن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن حسن تبعل المرأة لزوجها ورعايتها لبيتها يعدل ذلك كله من الأجر.
وشدد الشيخ أحمد سيف على ضرورة أن يخرج الناس من حالة الصراع بين الحقوق، وأن يتحول البيت إلى ساحة تنافس في الطاعة وخدمة الأسرة، حيث يسعى كل طرف إلى أداء ما أمر الله به تجاه الآخر، مؤكداً أن البيوت إذا بُنيت على هذا المعنى انتشر فيها التوازن والسعادة والسكينة.
ودعا الشيخ أحمد سيف إلى أن يصلح الله بيوت المسلمين، وأن يهيئ الأزواج والزوجات لحسن أداء ما أمر الله به، وأن يوفق الجميع لاتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في بناء الأسرة القائمة على الرحمة والعدل والفضل.
اقرأ أيضاً:
ليلة القدر 17 رمضان.. داعية يفجر مفاجأة: الليلة ممكن تكون ليلة القدر
أمين الفتوى يعلق على تريند الدعاء “ولا عازبًا إلا زَوَّجته”: السّجع المتكلف
17 رمضان ليلة القدر.. الشيخ أحمد خليل يحسم الجدل

