عمان جو – يُعتبر صيام شهر رمضان المبارك تحولًا مهمًا في عملية الأيض داخل الجسم، حيث يتكيف الجسم مع هذا النمط الجديد من التغذية، ومع حلول عيد الفطر والعودة إلى نمط الإفطار المعتاد، قد يواجه الكثيرون اضطرابًا مؤقتًا في عملية التمثيل الغذائي مما قد يؤدي إلى زيادة الشهية أو ما يُعرف بنهم الطعام، خاصة إذا لم يتم الالتزام بالاعتدال في تناول الطعام وتنظيم مواعيد الوجبات وتجنب الأطعمة الدسمة والحلويات بعد فترة صيام طويلة.

خلال ساعات الصيام يحدث ما يُعرف بالتحوّل الأيضي، حيث يبدأ الجسم بالاعتماد على الدهون المخزنة بدلاً من الجلوكوز كمصدر رئيسي للطاقة نتيجة انخفاض مستويات الجلوكوز والأنسولين في الدم.

وقد نشرت مجلة نيتشر العلمية في أبريل/نيسان 2025 مراجعة منهجية تناولت تأثير الصيام خلال شهر رمضان على القياسات الجسمية، حيث شملت تحليل 54 دراسة بمشاركة 2857 شخصًا من 21 دولة.

أظهرت النتائج أن الصيام يسهم في انخفاض ملحوظ في الوزن ومؤشر كتلة الجسم، خاصة بدءًا من الأسبوعين الثاني والثالث من الشهر، مع تراجع طفيف في كمية الدهون ونسبتها.

كما أوصت المراجعة بضرورة الاستمرار على النمط الأيضي الصحي الذي يتكوّن خلال رمضان واعتباره أسلوب حياة لتحقيق أفضل نتائج في خسارة الدهون، نظرًا لأن التأثير الإيجابي للصيام لا يدوم لفترات طويلة دون المحافظة على هذا النهج.

ومع بداية عيد الفطر، يستعد الجسم لمرحلة تحول أخرى مع العودة إلى الإفطار، خاصة عند تناول الكعك والحلويات، حيث ينتقل الجسم من الاعتماد على الدهون كمصدر للطاقة إلى استخدام الجلوكوز، مما يؤدي إلى ارتفاع تدريجي في مستوى الأنسولين في الدم.

وفي دراسة علمية نشرتها مجلة نيتشر عام 2018 لبحث تأثير الصيام خلال رمضان وبعد انتهائه بنحو شهر، تبيّن حدوث انخفاض ملحوظ في عدة مؤشرات أيضية بنهاية الشهر مقارنةً بما قبل رمضان، مثل وزن الجسم ومؤشر كتلة الجسم ونسبة الدهون، إضافة إلى سكر الدم الصائم والدهون الثلاثية، بينما لوحظ ارتفاع واضح في مؤشر مقاومة الأنسولين مع نهاية رمضان.

أما بعد مرور شهر على انتهاء رمضان والعودة إلى نمط الإفطار المعتاد، فقد بدأت هذه المؤشرات في الارتفاع تدريجيًا والعودة إلى مستوياتها السابقة لكنها لم تستقر بشكل كامل.

كما أظهرت الدراسة انخفاض استهلاك معظم المجموعات الغذائية خلال رمضان، باستثناء الكربوهيدرات التي شهدت زيادة في استهلاكها.

يبدأ كثير من الناس صباح أول أيام العيد بتناول كميات كبيرة من الكعك والبسكويت، ظنًا منهم أنها بديل مناسب لوجبة الإفطار، إلا أن هذا السلوك قد يُحدث ما يشبه اضطرابًا للجسم بعد اعتياده على الصيام، حيث يرتفع مستوى الأنسولين في الدم بشكل مفاجئ مما يؤدي إلى اضطراب عملية الأيض وصعوبة في الهضم، فضلًا عن تحفيز ما يُعرف بنهم الطعام.

وتوضح الدكتورة ندى فايد، استشاري التغذية العلاجية، أن نهم الطعام هو الرغبة في تناول كميات كبيرة من الطعام خلال فترة زمنية قصيرة، دون الانتباه إلى نوعيته أو مكوناته أو حتى طعمه.

وتشير إلى أن هذه الحالة خلال العيد تنتج عن تجاهل التغيرات التي مر بها الجسم خلال رمضان، حيث يفاجأ بكميات كبيرة من حلويات العيد مثل الكعك والبسكويت والبتيفور الغنية بالسمن والزبدة والسكر والدقيق، وعند تناولها كوجبة إفطار، تؤدي إلى ارتفاع حاد في مستوى السكر في الدم، مما يدفع البنكرياس لإفراز كميات كبيرة من الأنسولين، وينتج عن ذلك اضطرابات هضمية مثل التلبك المعوي.

وللحد من نهم تناول الحلويات خلال العيد، تنصح فايد بعدم استبدال وجبة الإفطار بالحلويات، بل تناولها بعد وجبة متكاملة تحتوي على البروتين والنشويات المعقدة، مثل الخبز الأسمر أو البطاطس، حيث يساعد ذلك على تقليل امتصاص السكر والدهون.

كما تؤكد أهمية شرب كميات كافية من الماء، وتناول المشروبات العشبية المفيدة للجهاز الهضمي مثل اليانسون والبابونج والنعناع والزنجبيل.

وتحذر من أن الإفراط في تناول حلويات العيد قد يؤدي إلى مشكلات صحية، خاصة على مستوى الجهاز الهضمي، مثل الغازات وانتفاخ القولون أو الإسهال، نتيجة الكميات الكبيرة من السكريات.

أوضحت الدكتورة نيرمين عبد الودود، الصيدلانية الإكلينيكية ومدربة الصحة والتغذية، أن الطفل خلال شهر رمضان—حتى إذا لم يصم اليوم كاملا—يعيش ضمن نظام غذائي مختلف عن بقية العام؛ حيث تصبح مواعيد الطعام أكثر وضوحًا، ويقل التعرض المتكرر للأكل، وتختفي إلى حد كبير فكرة “الأكل طوال اليوم” مما ينعكس على طريقة تعامل الجسم والدماغ مع إشارات الجوع والشبع والطاقة.

وأضافت أن من أبرز التأثيرات السلوكية لرمضان لدى الأطفال هو تراجع الأكل العشوائي، نتيجة لكون البيئة الغذائية أصبحت أكثر تنظيمًا، فمع تقليل الوجبات غير المخطط لها، يصبح الطفل أكثر وعيًا بإشارات الامتلاء والشبع، ويتعزز لديه نمط غذائي أكثر انتظامًا.

ومع قدوم عيد الفطر، يحدث تحول مفاجئ في عادات الطفل الغذائية، ما يشكل نوعًا من الاضطراب على المستوى الجسدي والسلوكي، حيث ينتقل فجأة إلى بيئة مليئة بالمغريات مثل الحلويات والشوكولاتة والكعك والبسكويت والعصائر.

وتوضح الدكتورة نيرمين أن هذا التغيير المفاجئ يربك الطفل لسببين: أولًا، حدوث تشويش في إشارات الجوع والشبع، وثانيًا، أن الطفل يبدأ في تناول الطعام ليس بدافع الجوع فقط، بل استجابة للمغريات المتاحة

وتشير الدراسات إلى أن البيئات الغنية بالأطعمة الشهية والمتوفرة بكثرة تجعل التحكم في الشهية أكثر صعوبة، وتزيد من احتمالية الإفراط في الأكل أو ما يُعرف بنهم الطعام.

كما أن الاعتماد على الحلويات والمخبوزات الغنية بالسكر، والتي توفر طاقة سريعة دون أن تمنح شعورًا مستقرًا بالشبع، بعكس الوجبات المتوازنة التي تحتوي على البروتين والألياف، يساهم في زيادة هذا النهم.

وتنصح عبد الودود الآباء والأمهات بضرورة الحفاظ على المكتسبات التي حققها الطفل خلال رمضان في تنظيم إشارات الجوع والشبع، والعمل على استثمارها واستمرارها كنمط صحي لحماية صحة الأطفال.