كتاب «المذكرات الكاملة: فاطمة رشدي… الحب، والفن، والسياسة» يقدم وثيقة فنية وإنسانية نادرة تتناول حياة واحدة من أبرز رائدات المسرح والسينما في مصر والعالم العربي، حيث يجمع بين جزأين من مذكرات الفنانة الراحلة لتشكل سيرة ذاتية ترصد تفاصيل رحلة طويلة عبر الفن والعاطفة والتحولات السياسية والاجتماعية
يستعرض العمل ملامح شخصية فاطمة رشدي من الداخل، ليس فقط باعتبارها نجمة لامعة، بل كإنسانة واجهت صراعات قاسية، ودفعها شغفها بالفن إلى تحمل أثمان باهظة في سبيل تحقيق أحلامها.
من الإسكندرية إلى القاهرة.. بداية الطريق الصعب
تبدأ المذكرات برصد سنوات الطفولة والنشأة، حيث اضطرت فاطمة رشدي وشقيقتاها رتيبة وإنصاف إلى الانتقال من الإسكندرية إلى القاهرة عقب أزمة مالية حادة تعرضت لها الأسرة بعد إفلاس الأب، وفي تلك المرحلة تحول الفن من هواية إلى وسيلة للبقاء، ليصبح المسرح ملاذ الأسرة الوحيد للاستمرار في الحياة.
تحكي فاطمة رشدي عن بداياتها الأولى في التعلم الحقيقي لفنون التمثيل وسط ظروف قاسية، لكنها شكلت الأساس الصلب لمسيرتها اللاحقة.
صعود النجمة والتعاون مع كبار المسرح
تستعرض المذكرات مرحلة الصعود الفني، حيث لمع اسم فاطمة رشدي سريعًا، وتعاونت مع كبار رواد المسرح المصري، وفي مقدمتهم يوسف بك وهبي وعزيز عيد، وتكشف الصفحات كواليس العمل المسرحي في تلك الحقبة، والتحديات التي واجهت الفنانين في بناء حركة مسرحية حقيقية.
تتوقف فاطمة رشدي عند قرارها المصيري بالانفصال عن فرقة رمسيس، لتدخل مرحلة المنافسة المباشرة، وتؤسس فرقتها الخاصة التي حملت اسمها، في تجربة جريئة أكدت استقلاليتها الفنية وقدرتها على القيادة.
الفن المصري خارج الحدود
لا يكتفي الكتاب بتوثيق التجربة المحلية، بل يرصد انتقال فاطمة رشدي إلى آفاق أوسع من خلال رحلات فنية إلى عدد من الدول العربية والأجنبية، مثل سوريا ولبنان والعراق وفرنسا، وقدمت خلال هذه الجولات صورة مشرّفة للفن المصري، لتتحول إلى واحدة من أبرز الوجوه الثقافية التي مثّلت مصر خارج حدودها.
توثق المذكرات تعاونها مع أمير الشعراء أحمد شوقي، إلى جانب تجربتها السينمائية التي جاءت مكملة لمشوارها المسرحي، كما تتناول الكتاب محطات إنسانية مؤثرة، أبرزها وفاة عزيز عيد، التي تركت أثرًا نفسيًا بالغًا، وانعكست بوضوح على حياتها ومسيرتها الفنية.
في الصفحات الأخيرة، تقف فاطمة رشدي أمام مسيرتها الطويلة متسائلة بمرارة عن جدوى التضحيات التي قدمتها، من مال وجهد وعمر، وعن مسؤوليتها المبكرة في إنجاح المسرح المصري، وحصولها على أرفع الأوسمة الفنية، قبل أن تطرح سؤالًا إنسانيًا موجعًا.
يُعد الكتاب وثيقة تاريخية مهمة، لا تسرد فقط سيرة فنانة، بل تؤرخ لمرحلة مفصلية في تطور المسرح والسينما المصرية، من منظور امرأة شقّت طريقها بقوة في زمن لم يكن سهلًا على النساء.

