استضافت القاعة الدولية بلازا 2 ندوة ثقافية خاصة بعنوان “جائزة الامتياز الثقافي” التي تقدمها وزارة الثقافة الإيطالية واتحاد صحفيي المتوسط ضمن فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب للاحتفاء بالدكتور وائل فاروق أستاذ الدراسات العربية ومدير المعهد الثقافي العربي بالجامعة الكاثوليكية في ميلانو ورئيس تحرير مجلة “جسور” الدولية وذلك عقب حصوله على جائزة الامتياز الثقافي التي تمنحها وزارة الثقافة الإيطالية بالتعاون مع اتحاد صحفيي المتوسط تقديرًا لدوره في تعزيز الحوار الثقافي وبناء مساحات التلاقي بين العالمين العربي والأوروبي.
شهدت الندوة حضورًا لافتًا من المثقفين والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي وشارك فيها كل من الدكتور حسين محمود أستاذ الأدب الإيطالي بجامعة بدر والإعلامي عمرو خفاجي رئيس التحرير السابق لصحيفة الشروق فيما أدار اللقاء الكاتب والصحفي سيد محمود في حوار اتسم بالعمق الإنساني والفكري وتجاوز حدود التكريم إلى قراءة شاملة لتجربة ثقافية ممتدة.
في مستهل الندوة قدم الدكتور حسين محمود قراءة إنسانية خاصة لشخصية وائل فاروق مستعرضًا صورًا التُقطت له في مناسبات مختلفة واصفًا إياه بـ “شخصية الابتسامة” ومؤكدًا أن هذه السمة لم تكن مجرد مظهر عابر بل مدخلًا لفهم أسلوبه في التفكير والتواصل والعمل الثقافي.
وأوضح أن وائل فاروق واجه طوال مسيرته مواقف فكرية شائكة سواء داخل الجامعات الأوروبية أو في حوارات الهوية والدين والثقافة لكنه اختار دائمًا الابتسامة بوصفها لغة أولى للتقارب ووسيلة لتفكيك التوتر وبناء الثقة مع الآخر معتبرًا أن هذه السمة انعكست على سلوكه الأكاديمي والإنساني معًا.
أكد حسين محمود أن توصيف وائل فاروق لا يكتمل دون اعتباره “مثقفًا عضويًا” أي مثقفًا لا ينغلق داخل أسوار المعرفة الأكاديمية بل ينخرط في قضايا المجتمع ويتحمل مسؤولية ثقافته تجاه محيطه سواء أصدقائه أو طلابه أو وطنه مضيفًا أن الجدية التي يتعامل بها فاروق مع مشروعاته الثقافية والمؤسسية لا تقل عن انفتاحه الإنساني مستشهدًا بتجربته في عقد اتفاقيات تعاون أكاديمي بين جامعات مصرية وإيطالية.
وتوقف الدكتور حسين محمود عند التأثير الفكري الذي تركه المفكر الإيطالي خوليان كارون على تجربة وائل فاروق خاصة من خلال كتابه “الجمال الأعزل” الذي يطرح فكرة المساحات البيضاء المشتركة بين البشر معتبرًا أن الإيمان يمكن أن يكون جامعًا للأديان لا سببًا للصراع بينها.
وأوضح أن هذه الرؤية شكّلت أحد المفاتيح الأساسية لفهم مشروع وائل فاروق الثقافي القائم على الإيمان بما يفعله والثقة في أن الحوار الحقيقي القائم على الاحترام والجمال قادر على تجاوز الحدود الجغرافية والدينية.
من جانبه قدم الإعلامي عمرو خفاجي شهادة مهنية في حق وائل فاروق مؤكدًا أن تجربته معه في مجلة “جسور” كشفت عن رئيس تحرير يمتلك وعيًا صحفيًا متقدمًا وقدرة واضحة على إدارة المحتوى وتوجيه النقاش العام بعيدًا عن العشوائية أو الخطاب الإنشائي.
وأشار خفاجي إلى أن الجائزة التي حصل عليها وائل فاروق ليست مجرد تكريم أكاديمي بل اعتراف بدور صحفي وثقافي حقيقي خاصة أن الجائزة تُمنح في الأساس للصحفيين ما يعكس اتساع مساحة تأثيره وتعدد أدواره بين الأكاديمية والصحافة والعمل الثقافي المؤسسي.
وأضاف خفاجي أن تقديم وائل فاروق بوصفه “جسرًا بين ضفتي البحر المتوسط” هو توصيف دقيق لكنه في الوقت ذاته غير مكتمل لأن تجربته تجاوزت المتوسط إلى فضاءات ثقافية أوسع شملت الولايات المتحدة وعددًا من الدول الأوروبية مع حفاظه على نقطة انطلاقه الأولى من القاهرة.
وأكد أن فاروق نجح في تقديم الأدب العربي للغرب بوصفه أدبًا حيًا يمتلك جمالياته وأسئلته المعاصرة وليس مجرد مادة للبحث أو الفولكلور مشيرًا إلى أن هذا الدور ظل غائبًا نسبيًا عن المشهد الثقافي العربي في أوروبا لسنوات طويلة.
بدوره شدد سيد محمود على أن وائل فاروق يمثل نموذجًا للمثقف الذي لم ينقطع عن جذوره رغم سنوات الاغتراب والعمل بالخارج لافتًا إلى أن علاقته بزملائه وأصدقائه ظلت قائمة على الحوار والاختلاف الخلاق لا القطيعة أو الاستعلاء.
وأشار إلى الجهد المؤسسي الذي يقوده فاروق حاليًا خاصة في ما يتعلق بتأسيس معاهد للغة والثقافة العربية في عدد من العواصم على غرار المؤسسات الثقافية الغربية الكبرى بما يسهم في تقديم الثقافة العربية بشكل مؤسسي ومستدام.
وائل فاروق: الجائزة تكريم للحوار لا لشخصي وحده
في كلمته عبّر الدكتور وائل فاروق عن سعادته البالغة بهذا اللقاء مؤكدًا أن وجوده في القاهرة وفي معرض الكتاب تحديدًا يحمل له قيمة خاصة تتجاوز أي تكريم رسمي قائلًا إن هذه اللحظة تمثل عودة رمزية إلى نقطة البداية حيث تشكّلت ملامح وعيه الأول باللغة العربية والثقافة المصرية قبل أن تمتد تجربته إلى آفاق أوسع في أوروبا والعالم.
وأكد فاروق أن جائزة الامتياز الثقافي لا يراها تكريمًا شخصيًا بقدر ما هي اعتراف بأهمية الحوار الثقافي وبالحاجة الملحّة إلى بناء مساحات مشتركة بين الشعوب بعيدًا عن الصور النمطية والصدامات المسبقة مضيفًا أن العمل الثقافي الحقيقي لا يقوم على الدفاع أو المواجهة بل على الثقة في قيمة ما نملكه والإيمان بقدرة الثقافة على الوصول إلى الآخر دون وصاية أو تعالٍ.
وتوقف وائل فاروق عند تجربته الفكرية والإنسانية مع الأب الراحل كريستيان فان نيسبن مشيرًا إلى أن هذه العلاقة شكّلت منعطفًا مهمًا في رؤيته للدين والثقافة حيث تعلّم أن الدين يمكن أن يكون فضاءً للجمال والحرية والانفتاح لا إطارًا مغلقًا أو أداة للفرز والإقصاء موضحا أن هذا الفهم انعكس على مشروعه في الحوار بين الأديان الذي انطلق من الإيمان بأن التجربة الإنسانية أوسع من أي تصنيف ديني أو ثقافي.
وأشار إلى أن اطلاعه على أفكار المفكر الإيطالي خوليان كارون خاصة في كتابه “الجمال الأعزل” ساعده على بلورة قناعة راسخة بأن الجمال هو أحد أهم مفاتيح التلاقي بين البشر وأن الإيمان الحقيقي لا يلغي الاختلاف بل يمنحه معنى إنسانيًا أعمق مضيفًا أن هذه الرؤية كانت حاضرة في كل ما اشتغل عليه سواء في التدريس الجامعي أو العمل الثقافي أو الصحفي.
وتحدث فاروق عن تجربته في الجامعات الأوروبية مؤكدًا أن تدريس الأدب العربي في الغرب لا يجب أن ينحصر في كونه مادة للبحث الأكاديمي البارد بل ينبغي تقديمه بوصفه أدبًا حيًا نابضًا بالأسئلة والجماليات وقادرًا على مخاطبة الإنسان في كل زمان ومكان موضحا أن واحدة من أهم التحديات التي واجهته كانت كسر الصورة النمطية عن الثقافة العربية وإعادة تقديمها من داخل نصوصها الإبداعية لا من خلال الخطابات السياسية أو الأيديولوجية.
كما شدد على أن اللغة العربية ليست في أزمة كما يُشاع أحيانًا مؤكدًا أنها لغة شابة وقادرة على التجدد وتمتلك طاقات إبداعية هائلة لكن ما ينقصها هو الثقة ومشروعات الترجمة الجادة والنقد العادل الذي يقدّم الأدب العربي للعالم بوصفه جزءًا من الأدب الإنساني لا استثناءً ثقافيًا.
وفي ختام كلمته وجّه وائل فاروق الشكر لكل من أسهم في هذه الندوة معتبرًا أن الحوار الصادق القائم على الاحترام المتبادل هو الطريق الحقيقي لبناء الجسور بين الثقافات مؤكدًا أن مشروعه سيظل قائمًا على الإيمان بأن الثقافة قادرة على تجاوز الحدود وأن اللقاء مع الآخر ليس تهديدًا للهوية بل فرصة لاكتشافها على نحو أعمق.
واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن جائزة الامتياز الثقافي تمثل تتويجًا لمسيرة ممتدة من العمل الثقافي الجاد وأن تجربة وائل فاروق تطرح نموذجًا مختلفًا للمثقف العربي القادر على الحضور عالميًا دون أن يتخلى عن جذوره أو يتنازل عن عمق انتمائه.

