مع حلول منتصف فبراير من كل عام، تتزين المحلات باللون الأحمر وتزدهر الأسواق بالزهور والهدايا، مما يخلق أجواءً من الدفء والرومانسية، لكن هذه المناسبة تحتمل تباينًا في الآراء، حيث يراها البعض فرصة للتعبير عن المشاعر، بينما يعتبرها آخرون تقليدًا مستوردًا تحوّل إلى موسم استهلاكي كبير.

كيف تحوّلت هذه المناسبة إلى احتفال عالمي وما العوامل التي ساهمت في استمرارها رغم اختلاف الثقافات والحقب الزمنية؟ وكيف انتقلت من جذور رومانية قديمة إلى ظاهرة اجتماعية وتجارية ذات تأثير واسع؟

جذور عيد الحب
يرتبط عيد الحب بعدد من الشخصيات المسيحية المعروفة باسم “فالنتاين”، وأشهر الروايات تشير إلى كاهن روماني وُلد في منطقة أومبريا خلال القرن الثالث الميلادي، حيث عاش في ظل الإمبراطورية الرومانية.

تروي إحدى الأساطير أن الإمبراطور كلوديوس الثاني حظر زواج الجنود ظنًا منه أن الروابط العائلية تؤثر على جاهزيتهم العسكرية، ورغم ذلك، استمر فالنتاين في عقد الزيجات سرًا، متحديًا السلطة.

وتشير بعض الروايات إلى أن إعدامه جاء نتيجة لمخالفته القوانين التي كانت تحظر ممارسة الشعائر المسيحية، حيث تم القبض عليه وإعدامه عام 269 ميلادية.

تروي الأسطورة الشعبية أيضًا أن فالنتاين سُجن بسبب مساعدته للمسيحيين المضطهدين، وخلال فترة سجنه، نشأت علاقة عاطفية بينه وبين ابنة السجان، وقبل إعدامه في 14 فبراير، ترك لها رسالة موقّعة بعبارة “من فالنتينك”، التي أصبحت رمزًا لتبادل بطاقات الحب.

مع مرور الزمن، أصبح يوم 14 فبراير عيدًا للقديس فالنتاين منذ أواخر القرن الخامس الميلادي، حيث حُفظت رفاته في كنيسة سان فالنتينو في روما، وتم نقل أجزاء منها إلى كنائس أخرى، منها كنيسة سانتا براديس، بينما تُعرض جمجمة يُنسب أنها للقديس في كاتدرائية سانتا ماريا، وتوجد رفات أخرى في دبلن داخل كنيسة وايتفرير، التي أصبحت منذ ثلاثينيات القرن الماضي مقصدًا للأزواج، خاصة في 14 فبراير.

وباستمرار الزمن، أصبح عيد الحب تقليدًا اجتماعيًا واسع الانتشار في العديد من الدول، مع اختلاف طرق الاحتفال وفقًا للثقافات والسياقات المحلية.

رؤى مختلفة حول يوم الحب
في استطلاع أجرته “يورونيوز” حول رمزية هذا اليوم لدى الشباب، كشفت النتائج عن تباين واضح في الآراء، حيث أشار بعض المشاركين إلى أنهم لا يحتاجون إلى يوم محدد في التقويم للاحتفاء بمشاعرهم، مؤكدين أن الحب حالة شعورية تُعاش يوميًا ولا يمكن حصرها في تاريخ واحد، واصفين تخصيص يوم لذلك بأنه قيد يفرغ العاطفة من عفوية الاستمرار.

في المقابل، دافع آخرون عن أهمية هذا الموعد السنوي، معتبرين أن “الفالنتاين” يمثل محطة ضرورية للتوقف وسط تسارع وتيرة الحياة المعاصرة، حيث يُعتبر هذا اليوم فرصة لإعادة إحياء الروابط والتعبير عن المشاعر التي قد تخنقها الروتين والضغوط اليومية، مؤكدين أن تخصيص يوم لا يعني إلغاء الحب في الأيام الأخرى، بل هو تذكير ببهجة الوجود في عالم يزداد فيه الطابع المادي.

تثير الاحتفالات بالفالنتاين في دول تعاني نقصًا في الضروريات الأساسية تساؤلات أخلاقية واجتماعية، حيث يرى المعارضون أن اقتناء الهدايا والزهور بأسعار مرتفعة وسط الفقر يُعتبر نوعًا من الاستفزاز الطبقي، بينما يجادل المؤيدون بأن الشعوب المنهكة تحتاج لمثل هذه المناسبات باعتبارها مقاومة نفسية وهروبًا مؤقتًا من بؤس الواقع.

بالنسبة لهؤلاء، فإن شراء وردة حمراء يمثل محاولة لاستعادة جزء من إنسانيتهم المفقودة تحت وطأة الأزمات.

كما أن المجتمعات ذات الصبغة الدينية لا تزال تنظر إلى هذه المناسبة بعين الريبة، حيث تُعتبر الاحتفالات بها محرمة، لأنها تُصنف كمنتج ثقافي غربي لا يتناسب مع تقاليدها.

ويعتبر المدافعون عن الهوية المحلية أن انتشار اللون الأحمر وبيع الهدايا الرومانسية يُعد غزوًا ناعمًا يهدف إلى طمس الخصوصية المحلية وتغييب القيم التقليدية لصالح نموذج استهلاكي موحد.

في المقابل، يرى أنصار العولمة من الشباب أن الحب قيمة عابرة للحدود، وأن رفض هذا اليوم بحجة أصله الغربي يُعد انغلاقًا لا يتماشى مع العصر، مؤكدين أن المشاعر الإنسانية لا تحتاج إلى تأشيرة دخول أو مطابقة للهوية الوطنية، حيث يمثل الاحتفال وسيلة للتواصل والتعبير عن المشاعر بغض النظر عن الجذور التاريخية لهذا العيد.

كما يمكن تفسير الاحتفال بهذه المناسبة في مثل هذه الدول كنوع من المقاومة النفسية الجماعية، إذ تمنح الرموز البسيطة مثل الزهور والبطاقات الحمراء شعورًا بالاستقرار المؤقت والأمل بغد أفضل رغم كل الصعوبات المحيطة، مما يجعل عيد الحب ليس مجرد مناسبة استهلاكية، بل مساحة للتعبير عن الرغبة الإنسانية في الحب والتواصل والكرامة حتى في أصعب الظروف.

جيل زد وتعريف عيد الحب
تكشف بيانات حديثة أن جيل زد يتعامل مع عيد الحب باعتباره مناسبة اجتماعية أوسع، لا تقتصر على العلاقات الرومانسية التقليدية، بل تشمل أيضًا الصداقات وروابط القربى وحتى الاحتفال بالنفس.

يعكس هذا التحول تغيرًا ثقافيًا في نظرة الجيل الأصغر إلى المناسبات، حيث لم يعد اليوم مرتبطًا حصريًا بفكرة الثنائي، بل أصبح مساحة للتعبير عن أشكال متعددة من العلاقات.

تشير المؤشرات إلى أن كثيرين من جيل زد يفضلون قضاء عيد الحب ضمن تجمعات أو مع الأصدقاء بدلًا من المواعيد الرومانسية التقليدية.

كما أصبح تناول الطعام، سواء ضمن مجموعة أو بشكل فردي، أكثر قبولًا لدى هذا الجيل، حيث يُنظر للخروج بمفردك كخيار طبيعي يعكس الاستقلالية والراحة الشخصية.

كيف صار عيد الحب مناسبة استهلاكية؟
تغير مسار عيد الحب تدريجيًا مع تطور وسائل الاتصال وانتشار الطباعة، حيث أصبح بإمكان العشاق التعبير عن مشاعرهم بطريقة ملموسة، حيث بدأوا بتبادل بطاقات مزخرفة ورسائل شعرية تحمل رموز الحب والوفاء، مما أسّس لأحد أوائل أشكال تسويق العاطفة وتحويلها إلى سلعة يمكن شراؤها وإرسالها.

ومع صعود الاقتصاد الاستهلاكي الحديث، تحولت المناسبة تدريجيًا من فعل رمزي بسيط إلى موسم اقتصادي متكامل، حيث تُستغل المناسبة سنويًا كفرصة لتحفيز الطلب على منتجات وخدمات متعددة.

رأت الشركات في عيد الحب فرصة لترويج الهدايا والبطاقات والعشاء الفاخر والزهور والشوكولاتة، معتبرة أن هذه العناصر وسائل ضرورية للتعبير عن المشاعر.

لم يكن هذا الربط عفويًا، بل جاء نتيجة استراتيجيات تسويق مدروسة، تبني قيمة عاطفية حول المنتج بحيث يُنظر إلى الامتناع عن الشراء كأنه تقصير رمزي في العلاقة، مما يخلق ضغطًا اجتماعيًا واقتصاديًا على المستهلكين.

توسعت دائرة الاستهلاك تدريجيًا لتشمل قطاعات متعددة، حيث ترفع المطاعم أسعار عروضها الخاصة بالمناسبة، وتعرض المتاجر المجوهرات والهدايا الفاخرة، بينما تتنافس شركات الشوكولاتة والأزياء على تقديم مجموعات محدودة الإصدار لجذب المستهلكين.

حتى قطاع السفر لم يكن غائبًا عن المشهد، حيث تقدم وكالات السفر رحلات رومانسية وعروض إقامة خاصة بالعيد، لتصبح هذه الفترة جزءًا من دورة اقتصادية موسمية تشبه الأعياد الكبرى، حيث ترتفع المبيعات بشكل ملحوظ وتستثمر العلامات التجارية لغة تسويقية مميزة تركز على الرومانسية والتميز والجاذبية.