تتواجد قرية صغيرة بالقرب من المتحف المصري الكبير، حيث ظلت لفترة طويلة خارج السرد الرسمي للتاريخ، ورغم قربها من مشروع ثقافي ضخم، لم تحظ بالاهتمام الكافي الذي تستحقه، هذا ما يسلط عليه الضوء الكاتب والصحفي سامح فايز من خلال كتابه البحثي الجديد «حجر الديب» الذي يقدمه من جناح دار نشر «أطياف» في معرض القاهرة الدولي للكتاب.

 

بداية فكرة البحث في تاريخ القرية

يذكر سامح فايز أن فكرة الكتاب بدأت منذ حوالي عشر سنوات، حيث جذبت أعمال بناء المتحف المصري الكبير انتباهه ليس فقط بسبب ضخامته، ولكن أيضًا لموقعه الجغرافي القريب من قريته الأصلية كفر غطاطي التابعة لمركز كرداسة في محافظة الجيزة، ويشير فايز إلى تساؤل شغله في ذلك الوقت حول مدى إدراك أهل القرية لحجم الحدث العالمي الذي يُبنى بجوارهم، وما إذا كانت المؤسسات المعنية بالمشروع منتبهة لوجود قرية كاملة على بعد كيلومتر واحد فقط.

هذا السؤال كان بداية رحلة طويلة للبحث في تاريخ القرية، حيث استند في البداية إلى الرواية الشفاهية من خلال مقابلة كبار السن من الأهالي، ولكن سرعان ما اكتشف فايز أن العديد من التفاصيل التاريخية قد طواها النسيان، مما دفعه للبحث في الوثائق القديمة والصور العائلية التي احتفظ بها أحفاد سكان القرية منذ أكثر من مئة عام.

 

اكتشافات تاريخية لافتة

خلال البحث، توصل فايز إلى العديد من المفاجآت التاريخية، أبرزها أن القرية كانت تضم في مطلع القرن العشرين عزبة توماس راسل، أحد حكام دار القاهرة في فترة الاحتلال البريطاني.

كما اكتشف أن جزءًا من أرض العزبة لا يزال تابعًا لوزارة الزراعة وتوجد به استراحة راسل القديمة، وأثناء فحص الوثائق، عثر فايز على مرسوم صادر عن الباب العالي في إسطنبول عام 1917 يتضمن قرارًا بتعيين شيخ بلد للقرية.

 

الحفريات الأثرية والكشف عن تاريخ أعمق

أحد التحولات الكبرى في مسار الكتاب جاء بعد تواصل فايز مع باحث مصري في علم الآثار يدرس في ألمانيا، حيث أخبره الباحث أن المنطقة شهدت حفريات أثرية في عام 1924 أسفرت عن اكتشاف 14 مقبرة، الدراسات أكدت أن المكان شهد استقرارًا بشريًا يعود إلى نحو خمسة آلاف عام، مما منح القرية بُعدًا تاريخيًا أعمق من المتوقع.

 

«حجر الديب».. الكتاب الذي يوثق تاريخ مكان كامل

هذه الاكتشافات دفعت دار «أطياف» إلى تبني المشروع، حيث تواصلت الدكتورة صفاء النجار، مديرة الدار، مع فايز وأكدت أن ما جمعه ليس مجرد حكايات محلية، بل مشروع كتاب يوثق تاريخ مكان كامل، ومن هنا خرج كتاب «حجر الديب» الذي يحمل الاسم الشعبي القديم للقرية قبل أن تُسمى رسميًا كفر غطاطي.

 

دلالة الاسم وتطور القرية

يوضح سامح فايز أن اسم «حجر الديب» يعكس طبيعة القرية الزراعية المحاطة بظهير صحراوي واسع، كان يلجأ إليه الذئاب وبعض الخارجين عن القانون، مما منح المكان سمعة غامضة انعكست على تسميته، ومن المفارقات الكبرى، كما يوضح فايز، أن «حجر الديب»، التي كانت تُعتبر في الماضي منطقة خطر، أصبحت اليوم تحتضن في نطاقها المتحف المصري الكبير، أحد أكبر وأهم المتاحف المتخصصة في العالم.

كتاب «حجر الديب» يفتح نافذة جديدة على تاريخ قرية كفر غطاطي، ويعيد تسليط الضوء على موقعها الجغرافي والتاريخي المهم، من خلال البحث العميق والوثائق التاريخية، يكشف فايز كيف أن هذه القرية التي كانت مهمشة تاريخيًا، أصبحت اليوم جزءًا من قلب المشروع الثقافي الأضخم في العالم.