أوروبا اليوم تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالأمن والدفاع، حيث تشعر العديد من الدول الأوروبية بالقلق تجاه الطموحات الروسية المتزايدة، وقد اعتبرت قيادات بارزة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يسعى لشن هجوم على القارة في المستقبل القريب، مما يثير مخاوف كبيرة بشأن الأمن في دول بحر البلطيق التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي قبل انهياره في عام 1991.
في سياق ذلك، كان رئيس الأركان الفرنسي، الجنرال فابيان ماندون، قد أبدى مخاوفه من احتمالية نشوب نزاع مسلح مع روسيا، حيث دعا الجيش الفرنسي إلى الاستعداد لمواجهة عسكرية محتملة خلال السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة، وقد أثار تحذير ماندون، الذي جاء خلال شهادته أمام لجنة الدفاع في البرلمان الفرنسي، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والعسكرية.
كما أن المخاوف لا تقتصر على فرنسا فقط، بل تشمل أيضاً ألمانيا، حيث حذر مارتان جايغر، رئيس الاستخبارات الخارجية الألمانية، من أن روسيا قد تكون مستعدة للدخول في نزاع عسكري مباشر مع حلف شمال الأطلسي قبل عام 2029، وأكد أن أوروبا تعيش في حالة من “السلام البارد” الذي قد يتدهور في أي لحظة، مما يستدعي تعزيز الاستعدادات العسكرية.
من جهة أخرى، يثير انعدام اليقين بشأن التزام الولايات المتحدة بحلف الأطلسي قلقاً إضافياً، حيث تعود المخاوف إلى تغير سياسة الولايات المتحدة في ظل الإدارة الحالية، مما أثر على الثقة التقليدية بين الحلفاء، حيث كانت الحماية الأميركية للأعضاء في الحلف تعتمد على المظلة النووية الأميركية، وهو ما قد يتغير في المستقبل.
فيما يتعلق بالقدرات النووية، تمتلك فرنسا السلاح النووي كوسيلة ردع مستقلة، بينما تملك بريطانيا أيضاً قدرات نووية، ولكنها تعتمد بشكل أكبر على الشراكة مع الولايات المتحدة، مما يحد من استقلاليتها في هذا المجال.
خلال مؤتمر ميونيخ، تم الكشف عن محادثات سرية بين باريس وبرلين حول إمكانية إنشاء ردع نووي أوروبي، لكن هناك تباينات واضحة في وجهات النظر بين البلدين حول كيفية تنفيذ ذلك، حيث تفضل فرنسا الاحتفاظ بالتحكم الكامل في قدرتها النووية.
وفي ظل هذه التطورات، أكد الأمين العام لحلف الأطلسي أن النقاشات حول تعزيز الردع النووي في أوروبا لا تعني استبدال المظلة النووية الأميركية، مما يبرز التحديات التي تواجه الأوروبيين في سعيهم نحو تحقيق استقلالية استراتيجية.
تستمر النقاشات حول الأمن والدفاع في أوروبا، حيث يظل مستقبل العلاقات عبر الأطلسي ومكانة أوروبا في النظام الأمني العالمي محور اهتمام كبير، مما يعكس التحديات المعقدة التي تواجه القارة في ظل الأوضاع الجيوسياسية المتغيرة.

