تعيش الدوريات الأوروبية الكبرى أزمة تحكيمية غير مسبوقة حيث تزايدت الانتقادات الموجهة للحكام وتقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) بشكل ملحوظ من قبل المدربين واللاعبين والإداريين، مما يعكس حالة من الاستياء العام في الأوساط الرياضية.

الأرقام تشير إلى أن تدخلات VAR ارتفعت بشكل كبير من 56 مرة في موسم 2018-19 إلى 1203 مرة في الموسم الحالي، مما يطرح تساؤلات حول فعالية هذه التقنية في تقليل الجدل بدلاً من تفاقمه.

صحيفة “Marca” الإسبانية أجرت تحقيقاً مفصلاً بالأرقام حول هذه الأزمة الكبيرة التي تعصف بالتحكيم في القارة الأوروبية.

لماذا تتصاعد الأزمة التحكيمية في أوروبا؟

تعود جذور الأزمة الحالية إلى الضغط الهائل على الحكام، خاصة مع التدقيق في كل قراراتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية، ألفارو سيرفيرا، مدرب تينيريفي، عبر عن هذا الإحباط قائلاً: “لقد سئمت من الحكام، هم ليسوا النجوم رغم أنهم يصبحون كذلك”

الأمور تفاقمت بشكل خاص في الدوري الإيطالي والدوري الإنجليزي الممتاز حيث شهدت المباريات قرارات مثيرة للجدل أدت إلى موجة من الانتقادات.

في ديربي إيطالي بين إنتر ميلان ويوفنتوس، تسبب طرد كالولو في الشوط الأول بخسارة “السيدة العجوز” (3-2) مما دفع كيليني للخروج بانتقادات حادة: “النظام لا يعمل، من المذهل ألا يمكن تصحيح الخطأ عبر تقنية VAR”

هل تقنية VAR حل أم مشكلة إضافية؟

الإحصائيات تكشف أن 68% من تدخلات VAR كانت متعلقة بالأهداف، مما أثر سلباً على عفوية الاحتفال بالأهداف لدى الجماهير، التطور المتسارع لاستخدام التقنية يظهر بوضوح: 56 تدخلاً في موسم 2018-19، ثم 186 في 2019-20، و263 في 2020-21، و633 في 2021-22، و533 في 2022-23، و795 في 2023-24، ووصولاً إلى 1203 في الموسم الحالي

مارك هالسي، الحكم السابق في الدوري الإنجليزي لمدة 14 موسماً، هاجم رئيس جمعية الحكام هوارد ويب قائلاً: “هناك نقص في القيادة والإدارة، هو في منصبه منذ ثلاث سنوات ولم يكن ذلك كافياً، لكل شخص تاريخ انتهاء صلاحية، وقد حان وقت رحيله”

حتى بيب غوارديولا لم يسلم من الإحباط، حيث علق بسخرية بعد مباراة أمام وولفرهامبتون: “أنا متأكد إلى حد كبير من أن هوارد ويب سيتصل بي غداً بتفسير”

الدوري الإسباني: عاصفة مثالية من الجدل

الوضع في إسبانيا وصل إلى ذروة غير مسبوقة، حيث تحولت القضايا التحكيمية إلى معركة إعلامية شاملة، القنوات التلفزيونية لبعض الأندية تشن حملات أسبوعية ضد الحكام، بينما تصدر الأندية بيانات احتجاجية بعد كل جولة تقريباً.

“قضية نيغريرا” المتعلقة بدفع ملايين اليوروهات لنائب رئيس لجنة الحكام التقنية، ألقت بظلال داكنة على مصداقية التحكيم الإسباني، لم ينجح لا ميدينا كانتاليخو ولا فران سوتو في إيجاد حلول لهذه الأزمة المتفاقمة.

الفساد التركي: جرس إنذار أوروبي

الفضيحة الأكبر جاءت من تركيا، حيث أوقف الاتحاد التركي لكرة القدم 149 حكماً ومساعداً بسبب المراهنات، التحقيق الواسع كشف أن 371 من أصل 571 حكماً اتحادياً كانوا يمتلكون حسابات مراهنات، مما أثار شكوكاً حول نزاهة التحكيم في جميع أنحاء القارة.

خوزيه مورينيو، الذي قال ذات مرة “هذه الدوري لها رائحة كريهة” عن الدوري التركي، أثبتت العدالة صحة ملاحظاته بعد سنوات، وقد امتد انتقاده للتحكيم إلى البرتغال أيضاً، حيث أصدر ناديه بنفيكا بياناً قاسياً ضد القرارات التحكيمية.

ماذا تفعل الهيئات لحل الأزمة؟

بعد الجدل الواسع، جدولت السيريا أ اجتماعاً في 23 مارس المقبل للبحث عن حلول، رئيس الدوري الإيطالي، إيزيو سيمونيلي، أشار إلى أن إيطاليا كانت من أوائل الدول التي حذرت من عدم ملاءمة بروتوكول VAR، قائلاً: “لو كانوا قد استمعوا إلينا، لما وجدنا أنفسنا الآن في هذا الوضع”

في إنجلترا، أقر هوارد ويب نفسه بأن “مستوى التحكيم انخفض وهو في طريقه للأسوأ” مما يعكس عمق الأزمة حتى على المستوى الإداري.

من جهة أخرى، قدم الحكم فيديريكو لا بينا شكوى رسمية بسبب تهديدات الموت وتعليقات الكراهية التي تلقاها على وسائل التواصل الاجتماعي بعد مباراة الكلاسيكو الإيطالي، مما يسلط الضوء على الضغط النفسي الهائل الذي يواجهه الحكام.

النداءات المتكررة من المدربين واللاعبين

أنطونيو كونتي أعرب عن استيائه في 10 فبراير قائلاً: “إنه ليس موسماً جيداً للتحكيم وتقنية VAR، أتمنى أن يجدوا طريقة للتحسين”، بينما طالب سبينازولا الحكام بتحمل المسؤولية: “نحن نتحمل مسؤوليتنا، لكن على الحكام أن يفعلوا ذلك أيضاً”

في إيطاليا، أثارت حالة باستوني المتهم بالمحاكاة جدلاً إضافياً، حيث علق رئيس إنتر ميلان بإشارة إلى حادثة مماثلة لكوادرادو عام 2021 سمحت ليوفنتوس بدخول دوري أبطال أوروبا وجلبت للنادي 60-70 مليون يورو من الإيرادات.

الأرقام لا تكذب: تطور استخدام VAR

في المسابقات الأوروبية، بلغ معدل تدخلات VAR 0.47 في دوري أبطال أوروبا، و0.40 في الدوري الأوروبي، و0.31 في دوري المؤتمر لكل مباراة، هذه الأرقام تعكس الاعتماد المتزايد على التقنية، لكنها تثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا الاعتماد يحل المشكلات أم يخلق مشكلات جديدة.

الجماهير باتت تعبر عن إحباطها بعبارات مثل: “أنا فيما يخص موضوع VAR، لم أعد أحتفل بالأهداف” وهي عبارة تُسمع بشكل متكرر في الملاعب الإسبانية والأوروبية