في سياق دورة الألعاب الأولمبية الشتوية، تبرز النرويج كقوة رياضية متميزة رغم عدد سكانها المحدود الذي لا يتجاوز 5.5 مليون نسمة، حيث تُظهر إنجازاتها الرياضية تفوقًا ملحوظًا مقارنة بدول ذات كثافة سكانية أكبر مثل الصين والولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا وكندا، مما يعكس قدرة النرويج على التفوق في المنافسات الشتوية.

في بداية المنافسات الجماعية لمسافة 50 كم للرجال، تمكن الرياضيون النرويجيون يوهانس هوسفلوت كلايبو ومارتن لوستروم نينغيت وإميل إيفرسن من تحقيق مراكز متقدمة، حيث حصلوا على الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية على التوالي، مما يعكس هيمنة النرويج في هذا المجال.

تُعتبر النرويج دولة نوردية، ومن الطبيعي أن تتفوق في الرياضات الشتوية، لكن ما يميزها هو قدرتها على تحقيق نجاحات في مجموعة متنوعة من التخصصات الرياضية، حيث أنتجت في السنوات الأخيرة أبطالاً أولمبيين في الكرة الطائرة الشاطئية ونجوماً في ألعاب القوى، بالإضافة إلى برنامج ترياتلون يُعتبر من بين الأفضل على مستوى العالم.

من بين أبرز الرياضيين، يُعد فيكتور هوفلاند من اللاعبين المتميزين في الغولف، كما أن كاسبر رود قد حقق المركز الثاني في تصنيف رابطة محترفي التنس، وإيرلينغ هالاند أصبح واحدًا من أفضل المهاجمين في كرة القدم، بينما فازت آدا هيغربرغ بجائزة الكرة الذهبية للسيدات.

تعكس نجاحات النرويج الرياضية مجموعة من العوامل التي تساهم في تحقيق هذه الإنجازات، حيث يركز النظام الرياضي في البلاد على المتعة والإثارة منذ المراحل الأولى، فلا يُسمح للأطفال بتسجيل نتائجهم أو تصنيفاتهم في البطولات حتى سن الثانية عشرة، مما يقلل الضغط لتحقيق النتائج ويشجع الأطفال على تجربة العديد من الرياضات المختلفة.

الهدف من هذا النظام هو إبقاء أكبر عدد ممكن من الأطفال في الرياضة بدلاً من إقصائهم، مما يساهم في خلق بيئة رياضية صحية وداعمة.

نظراً لصغر عدد سكانها، تسعى النرويج لاكتشاف الرياضيين الذين قد لا يتضح إمكانياتهم إلا في مراحل متقدمة من المراهقة، مما يجعل المدربين هناك يتوخون الحذر في ربط الرياضيين الذين يتطورون بدنياً بمواهب مستدامة على المدى الطويل.

يُشير الخبير الرياضي توري أوفبرو إلى أن الأنظمة الكبيرة غالبًا ما تركز على الاختيار المبكر مما يؤدي إلى الإقصاء، بينما تسعى النرويج للاحتفاظ بجميع الرياضيين المتواجدين لديها.

تدرب إيرلينغ هالاند ضمن مجموعة تطويرية تضم 39 فتى وفتاة في نادي براين لكرة القدم حتى بلغ السادسة عشرة من عمره، حيث لم تُقسّم المجموعة إلى فرق أولى وثانية، بل تم تشجيع الجميع على المشاركة.

كان يوهانس هوسفلوت كلايبو يعتقد في السابق أنه سيتجه نحو كرة القدم، لكنه اكتشف لاحقًا موهبته الحقيقية في التزلج الريفي، حيث حقق نجاحًا باهراً في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية ميلانو كورتينا 2026 بفوزه بست ميداليات ذهبية، ليصل مجموع ميدالياته الذهبية إلى 11 ميدالية.

يمتاز النظام الرياضي في النرويج بتوفير الظروف للرياضيين لاكتشاف قدراتهم الكامنة بدلاً من التركيز على الأداء المبكر، مما يساعدهم على الاستعداد بدنياً وذهنياً للالتحاق ببرامج التدريب النخبوية.

وفقًا لجير جوردت، أستاذ علم النفس وكرة القدم في المدرسة النرويجية لعلوم الرياضة، يمكن تلخيص نجاح النرويج في ثلاث كلمات: التعاون والتواصل والرعاية، حيث تدعم البلاد الرياضيين النخبة بنظام يجمع بين العلوم والتكنولوجيا وعلم النفس

يقع المركز الوطني الأولمبي للرياضة بجوار جامعة الرياضة، مما يخلق صلة وثيقة بين البحث والتطبيق، حيث يتمتع الرياضيون بثقافة مشاركة قوية، حيث يتدرب أفراد مختلف التخصصات الرياضية معاً ويتبادلون الخبرات ويتعلمون من بعضهم البعض.

تتعاون البرامج الرياضية المختلفة مع بعضها البعض لأطول فترة ممكنة، حيث تُعتبر المنافسة شيئاً ثانوياً إلا عند الحاجة القصوى.

بحسب توري أوفبرو، فإن 93% من سكان النرويج يشاركون في شكل من أشكال الرياضة المنظمة بحلول سن الخامسة والعشرين، مما يعكس اتساع نطاق خلفيتهم الرياضية.

انطلاقًا من هذا الأساس، نشأ نظام رياضي قائم على الفرح والتسامح والتعاون، مما أدى إلى إنتاج أبطال أولمبيين، حيث تستمر النرويج في تحقيق النجاح في الألعاب الشتوية.

بحسب شبكة سي إن إن.