مع انتهاء أولمبياد ميلانو كورتينا الشتوي، يتجدد النقاش حول مفهوم “إرث الألعاب” الذي يُعتبر من العناصر الأساسية التي تسعى المدن المستضيفة لتقديمه كدليل على جدوى استضافتها لهذا الحدث الرياضي الكبير، حيث تُعتبر الأرباح والمكاسب المتوقعة من الاستثمارات الضخمة في البنى التحتية من أهم العوامل، إذ تترك هذه الألعاب وراءها مرافق رياضية وسكنية تُستغل لسنوات لاحقة، لكن هناك أمثلة تاريخية تُظهر كيف أن بعض هذه المرافق قد تعاني من الإهمال والتدهور بعد انتهاء الألعاب، كما تشير التقارير إلى أن العديد من المدن التي استضافت الألعاب الأولمبية قد واجهت هذه الظاهرة، مما يُبرز الحاجة إلى التخطيط السليم لضمان استمرار الاستفادة من هذه المنشآت.
برلين 1936
استضافت برلين دورة الألعاب الأولمبية عام 1936 في فترة حرجة تاريخياً بعد وصول أدولف هتلر إلى الحكم، حيث كانت القرية الأولمبية تستوعب حوالي 5 آلاف رياضي، وتمتد على مساحة 550 ألف متر مربع من الأراضي العسكرية، مما أعطى المباني طابعاً شبيهاً بالثكنات، وبعد انتهاء الألعاب، تعرضت المنشآت لسنوات من الإهمال قبل أن تبدأ السلطات الألمانية في عام 2004 مشروع ترميم جزئي وتحويل الموقع إلى متحف يروي تاريخاً رياضياً وسياسياً معقداً.
سراييفو 1984
استضافت سراييفو الألعاب الأولمبية الشتوية عام 1984، ولكن لم يكن الإهمال وحده هو السبب في تدهور المنشآت، بل الحرب التي نشبت بعد ست سنوات من استضافة الألعاب، حيث تحولت المدينة إلى ساحة قتال مع تفكك يوغوسلافيا، وأصبحت منحدرات التزلج مواقع ألغام، بينما تحولت الفنادق التي استقبلت الرياضيين والجماهير إلى معتقلات، مما يعكس الفارق الكبير بين أجواء الاحتفالات الشتوية ومشاهد الدمار اللاحقة.
أثينا 2004
عاد الحدث الأولمبي إلى مهد الألعاب في اليونان عام 2004 بتكلفة بلغت حوالي 7.8 مليارات جنيه إسترليني، ورغم التحديات وتأخيرات البناء، تم تنظيم الحدث بشكل ناجح أثار موجة من الفخر الوطني، لكن بعد سنوات قليلة، عانت اليونان من أزمة مالية خانقة أدت إلى تدهور الاقتصاد وزيادة معدلات البطالة والفقر، مما أدى إلى ترك العديد من المنشآت الأولمبية دون صيانة حقيقية وتحولت إلى هياكل مهجورة.
بكين 2008
شكل حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية في بكين عام 2008 عرضاً مذهلاً من حيث التنظيم والإبهار، حيث أنفقت الصين حوالي 28 مليار جنيه إسترليني لتحقيق نسخة مثالية، لكن السعي للكمال كان مكلفاً، إذ تمت إزالة أحياء كاملة لبناء منشآت استخدمت لأسبوعين فقط، ومن الأمثلة على هذا الإهدار دمى “فودا” التي كانت تميمة الدورة والتي تركت مهجورة وسط الأعشاب في مشروع تجاري لم يكتمل.
ريو دي جانيرو 2016
في أولمبياد ريو دي جانيرو التي أقيمت عام 2016، كان التدهور سريعاً حيث بدأت المرافق تتآكل بعد عام واحد من انتهاء الألعاب، إذ تم قطع التيار الكهربائي عن ملعب ماراكانا بسبب فواتير غير مدفوعة وسرقة الأسلاك النحاسية، كما لم تجد مراكز التنس وسباق الدراجات مستثمرين، مما أدى إلى تحول الحديقة الأولمبية إلى مدينة أشباح، في ظل غياب خطة استدامة حقيقية، بينما تحولت القرية الأولمبية التي كانت تُفترض أن تكون مشروعاً سكنياً فاخرًا إلى مشروع بعيد المنال بسبب الأسعار المرتفعة، مما يُظهر تكرار السيناريو من برلين إلى ريو حيث تتحول الوعود بإرث مستدام إلى واقع مؤلم.

