طوال شهر رمضان المبارك، نستعيد معًا ذكريات شكلت وجدان الشعب المصري وأسهمت في بناء مجد الكرة الأفريقية حيث يتجلى تاريخ المنتخبات الوطنية المصرية في قصص ملهمة تتجاوز حدود الملعب، إذ تداخلت العزيمة مع الموهبة لتسطر ملاحم كروية في أصعب الظروف، وخلال هذا الشهر الكريم، سنبحر يوميًا في حلقة خاصة تستعرض محطات فارقة من ذاكرة “الفراعنة” لنروي قصة بطولة بدت مستحيلة أو مدربًا غير مجرى التاريخ بفكره وإخلاصه أو حدثًا فريدًا غير متوقع قلب الموازين وأبكى الملايين فرحًا وفخرًا، كما سنسلط الضوء على قصص الصمود والتحدي التي جعلت من اسم مصر رقمًا صعبًا في القارة السمراء والمحافل العالمية لنستلهم من تلك المواقف دروسًا في الإصرار تليق بروح الشهر الفضيل.

حكايات الفراعنة.. لعنة الغياب و56 عاماً من الدراما فى طريق الفراعنة للمونديال

يعتبر منتخب مصر هو أول العرب والأفارقة تمثيلاً في المونديال في نسخة 1934، لكن بدأت فصول المعاناة في النسخة التالية حيث حالت “حفنة من الجنيهات” دون وصول الفراعنة إلى المحفل العالمي، إذ انسحب المنتخب المصري من مواجهة رومانيا لأسباب مالية قهرية وضعت حدًا مبكرًا للطموح.

ولم يكن القدر أرحم في عام 1950، فبعد صمت المدافع في الحرب العالمية الثانية وعودة الحياة للملاعب، غابت مصر عن النسخة البرازيلية لأسباب ظلت طي الكتمان ومجهولة في دفاتر التاريخ، ليضيع عقد كامل من الزمن في طي النسيان قبل أن تبدأ مواجهات “تكسير العظام” الحقيقية.

الاصطدام بالعمالقة ومواقف العزة القومية

في تصفيات مونديال 1954، وضعت القرعة الفراعنة في مواجهة “الآتزوري” الإيطالي، وعلى عشب النادي الأهلي، صمد المصريون قبل الخسارة بنتيجة 2-1، لكن لقاء “ميلانو” كان قاسيًا بخماسية إيطالية أطفأت قناديل الأمل، ومع اقتراب مونديال 1958، سجلت مصر موقفًا تاريخيًا بالانسحاب من الدور الثاني رفضًا لمواجهة الكيان المحتل، مفضلةً المبادئ الوطنية على بريق الشهرة العالمية، وهو الموقف الذي تكرر بصورة مختلفة في تصفيات 1966 حين قادت مصر ثورة أفريقية بالانسحاب الجماعي للقارة السمراء احتجاجًا على تهميش “الفيفا” لمقاعد أفريقيا، ثم جاءت نكسة 1967 لتفرض غيابًا إجبارياً عن مونديال 1970 لأسباب سياسية وأمنية حالت دون ممارسة النشاط الكروي الدولي.

أغرب الانسحابات وعقدة النسور والأسود

شهدت تصفيات 1962 واحدة من أغرب حكايات الساحرة المستديرة، حيث انسحبت مصر والسودان معًا بسبب “الرياح الموسمية” ورفض الاتحاد الدولي تعديل المواعيد، لتدخل بعدها الكرة المصرية في نفق مظلم سمي “عقدة شمال أفريقيا”، ففي عامي 1974 و1978، تحولت تونس إلى كابوس مزعج أطاح بالفراعنة مرتين متتاليتين من الأدوار الأولى والنهائية، قبل أن تسلم الراية للمنتخب المغربي الذي أصبح “الجلاد” الجديد في تصفيات 1982 و1986، حيث تكسرت أحلام جيل العمالقة على صخرة أسود الأطلس، لتمتد سنوات التيه إلى 56 عامًا قبل أن يبتسم القدر أخيرًا في “ليلة الجوهري” عام 1990.