تشهد دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية تحديات متزايدة نتيجة تسارع تأثيرات تغير المناخ، حيث تعتمد هذه المنافسات بشكل أساسي على درجات الحرارة المنخفضة وتوافر الثلوج الطبيعية مما يجعل مستقبلها مرتبطًا بقدرة المنظمين على التكيف مع هذه الظروف المناخية المتغيرة وفي الوقت ذاته خفض الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالحدث.
ومع الارتفاع المستمر في متوسط درجات الحرارة عالميًا وتناقص عدد الأيام الباردة، تبرز الحاجة الملحة إلى اتخاذ إجراءات فاعلة تتماشى مع أهداف اتفاقية باريس للحد من الاحترار العالمي، إذ تُظهر البيانات الحديثة أن البصمة الكربونية للألعاب الشتوية لا تزال مرتفعة، حيث يشير تقرير صادر عن منظمة “Scientists for Global Responsibility” ومعهد “New Weather Institute” إلى أن الأنشطة التنظيمية الأساسية، مثل البناء والنقل واستضافة الجماهير، تنتج نحو 930 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، بالإضافة إلى الانبعاثات الناتجة عن رعاية شركات تعمل في مجالات عالية الانبعاثات كقطاع النفط والطيران والتي تضيف نحو 1.3 مليون طن أخرى.
في إطار الجهود المبذولة لخفض الانبعاثات، تتجه اللجنة الأوليمبية الدولية نحو تقليل إنشاء منشآت جديدة وزيادة الاعتماد على البنية التحتية القائمة، حيث تشير مجلة “Time” الأمريكية إلى أن هذا التوجه أصبح جزءًا أساسيًا من استراتيجيات الاستدامة للدورات المقبلة، مما يساهم في تقليل الانبعاثات وتحقيق الحياد الكربوني على المدى الطويل.
إلى جانب هذه الجهود، تواجه الألعاب الأوليمبية الشتوية تحديًا آخر يتعلق بتقلص الثلوج الطبيعية، إذ نتيجة لارتفاع درجات الحرارة في المناطق الجبلية يعتمد المنظمون بشكل متزايد على الثلج الصناعي لضمان إقامة المنافسات، مما يتطلب إنتاج ملايين الأمتار المكعبة من الثلوج الاصطناعية لتعويض النقص في الثلوج الطبيعية، ورغم كون هذا حلاً عمليًا في ظل الظروف المناخية الحالية، إلا أنه يثير مخاوف بيئية بسبب الاستهلاك الكبير للطاقة والمياه.
وبحسب ما ذكرته مجلة “Time”، تسعى الجهات المنظمة إلى إدخال حلول تقنية للتخفيف من الآثار البيئية المرتبطة بإنتاج الثلوج، مثل استخدام تقنيات “مزارع الثلوج” التي تعتمد على تخزين الثلوج من موسم لآخر، بالإضافة إلى تشجيع استخدام وسائل نقل أقل انبعاثًا مثل القطارات والحافلات الكهربائية للحد من انبعاثات السفر المرتبطة بالحدث، مما يعكس محاولات عملية للتوفيق بين استمرارية الألعاب ومتطلبات العمل المناخي.
رغم هذه الجهود، ترى منظمات بيئية أن استضافة حدث عالمي بهذا الحجم لا تزال مرتبطة بإحداث انبعاثات مرتفعة، خاصة في ظل استمرار رعاية الحدث من قبل شركات ملوثة، مما قد يقوض بعض المكاسب المحققة في مجال الاستدامة، بالإضافة إلى أن تقلص عدد الأيام الباردة المناسبة لإنتاج الثلوج الطبيعية قد يجعل تنظيم الألعاب الأوليمبية الشتوية أكثر صعوبة في المستقبل.
تعكس تجربة الألعاب الأوليمبية الشتوية التحدي العالمي الأوسع الذي تواجهه الأمم المتحدة في ضرورة الجمع بين خفض الانبعاثات والتكيف مع التغير المناخي، وبينما تمثل الخطوات الحالية تقدمًا نسبيًا، فإن تسارع الاحترار العالمي يضع مستقبل الرياضات الشتوية أمام اختبار حقيقي.

