عمان في ظل التحولات السريعة التي يشهدها قطاع التعليم نتيجة للتطور المعرفي والتقني، تبرز أهمية تدريب المعلمين أثناء الخدمة كعنصر أساسي لضمان جودة العملية التعليمية وتحسين مخرجاتها، حيث يعتبر المعلم المؤهل والمتجدد في معارفه ومهاراته عنصراً حاسماً في إحداث تأثير إيجابي داخل الغرفة الصفية، من خلال توظيف أساليب تدريس حديثة تراعي الفروق الفردية وتعزز التفكير النقدي والإبداع لدى الطلبة مما ينعكس على جودة التعلم ومستوى التحصيل الدراسي.

ويعتبر التدريب المستمر أداة فعالة لتمكين المعلمين من مواكبة المستجدات التربوية وتطوير أدائهم المهني، مما ينعكس إيجاباً على مستوى التحصيل الدراسي وجودة التعلم.

استثمار مستدام

في هذا الإطار، يرى خبراء في مجال التربية أن الاستثمار في تدريب المعلمين أثناء الخدمة يعد استثماراً استراتيجياً طويل الأمد لما له من دور محوري في تعزيز جودة التعليم والارتقاء بكفاءة المعلمين وضمان إعداد طلبة قادرين على تلبية متطلبات المستقبل والمساهمة الفاعلة في مسارات التنمية الشاملة.

وبينوا أن التدريب المهني المستمر أثناء الخدمة ليس نشاطاً هامشياً أو عبئاً إضافياً على المعلم، وإنما هو عملية تربوية متجددة تهدف إلى تحديث معارفه وصقل مهاراته وتعزيز كفاءته التربوية والتكنولوجية، مما يضمن بقاءه في حالة تعلم نشطة ومستمر.

ركائز أساسية

وأوضحوا أن التدريب الموجه نحو تطوير أداء المعلمين يعد من أهم الأدوات لتحقيق هذه الأهداف، لما له من دور محوري في تغيير الممارسات التربوية المرتبطة بدور المعلم، وبالتالي التأثير الإيجابي على أداء الطلبة ولا سيما في تحقيق نتاجات التعلم، لافتين إلى أن التدريب يزوّد المعلم بخمسة مرتكزات أساسية تتمثل في المهارات والخبرات والتقنيات والاتجاهات والمعارف والقيم، ما يجعله الوسيلة الأكثر فاعلية وتأثيراً في صقل المعلمين وتنمية قدراتهم.

أكد مدير إدارة التدريب والإشراف في وزارة التربية والتعليم جمعة السعود أن الوزارة تولي تطوير المعلمين مهنياً أولوية قصوى ومحوراً أساسياً في جهودها الرامية إلى تحسين جودة عمليتي التعلم والتعليم، انطلاقاً من قناعتها الراسخة بأن الارتقاء بالمنظومة التعليمية لا يتحقق إلا من خلال الاستثمار المستدام في المعلم ومدير المدرسة والقيادات التربوية بمختلف مستوياتها.

وأوضح السعود أن الوزارة تنفذ منظومة متكاملة من برامج التدريب المهني تستند إلى المعايير الوطنية للمعلمين، وتشمل برامج الإعداد قبل الخدمة، والتي تهدف إلى ضمان انتقاء المؤهلين للالتحاق بمهنة التعليم، حيث جرى تأهيل ما يقارب 10 آلاف معلم قبل التحاقهم بالخدمة في وزارة التربية والتعليم، كما تشمل هذه المنظومة برامج التدريب أثناء الخدمة، الموجهة لتطوير مهارات المعلمين العاملين ومديري المدارس والمشرفين التربويين والقيادات التعليمية، بما يضمن استمرارية النمو المهني ومواكبة المستجدات التربوية الحديثة.

وبين أن برامج التدريب تتنوع لتغطي مجالات التدريس الفعّال والقيادة التعليمية والإشراف التربوي والتقييم والتحول الرقمي والابتكار وتعزيز القيم التربوية، إضافة إلى تمكين المعلمين من مهارات إدارة الصف والتعامل مع الطلبة، مع مراعاة مبادئ التعليم المتمايز والشمول والتنوع والدمج، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الممارسات المهنية وعلى الأداء المؤسسي للمدارس، ويسهم في تحسين بيئات التعلم ورفع جودة المخرجات التعليمية.

أكد السعود أن هذه الجهود تعكس التزام الوزارة ببناء نظام تعليمي متطور يقوم على كفاءات تربوية مؤهلة وقادرة على مواجهة تحديات التعليم المعاصر وتحقيق أهدافه الوطنية.

وحول البرامج التدريبية المنفذة خلال عام 2025، أوضح السعود أن الوزارة نفذت ما يزيد على 100 برنامج تدريبي متنوع، بما مجموعة 156,149 فرصة تدريبية لمعلمين ومشرفين وقيادات مدرسية وإداريين، مشيراً إلى أن التدريب نُفذ من خلال أنماط متعددة شملت التدريب الوجاهي والتدريب عن بُعد عبر منصة تدريب المعلمين أو التدريب المدمج، لافتاً إلى أن هذا الرقم يعكس اتساع نطاق التدريب أثناء الخدمة وشموله فئات تعليمية متعددة.

وأشار إلى أن البرامج والورشات التدريبية المصنّفة وفق موضوعاتها تضمنت برامج التطوير المهني للمعلمين، ومن أبرزها برامج التنمية المهنية لمعلمات رياض الأطفال، إلى جانب برامج تخصصية في الرياضيات والعلوم واللغة العربية واللغة الإنجليزية، فضلاً عن برامج التقييم الرقمي والابتكار والريادة في التعليم وبرامج شبكات المدارس.

أما برامج القيادة التربوية، فأشار السعود إلى أن من أبرزها دبلوم القيادة التعليمية المتقدمة وبرامج تمكين وتطوير المهارات القيادية والبرامج الموجهة لمديري المدارس ومساعديهم، إلى جانب الدبلوم المهني أثناء التعليم.

وفيما يتعلق ببرامج الإشراف التربوي، أوضح السعود أن من أبرزها البرامج المخصصة للمشرفين التربويين، إلى جانب برامج التقييم الرقمي للمشرفين.

أما برامج القيم والاتجاهات الحديثة، فبين السعود أن من أهمها البرامج المرتبطة بمفاهيم العدالة والمساواة وإدماجها، إضافة إلى برامج الحوكمة وتعزيز البيئة المدرسية الآمنة.

أكد السعود أن لهذه البرامج أثراً مباشراً في رفع كفاءة المعلمين المهنية وتحسين أساليب التدريس داخل الغرفة الصفية وتطوير القيادات المدرسية بما يعزز فاعلية الإدارة المدرسية وتحسين نواتج التعلم من خلال التدريب المرتبط بالمحتوى والتقييم والابتكار، إضافة إلى تعزيز العدالة وتكافؤ الفرص التعليمية وتحسين بيئة التعلم من خلال إشراك المشرفين والإداريين في برامج التطوير المهني وترسيخ مفاهيم الشمولية والتعليم الدامج.

وفيما يتعلق بالتوجهات المستقبلية، أوضح السعود أن الوزارة تتبنى نهجاً واضحاً للتجديد والتحديث في برامج التدريب، ويتجلى ذلك من خلال إدخال برامج التقييم الرقمي والتركيز على الابتكار والريادة وبرامج العدالة والمساواة كاتجاه حديث، والتوسع في برامج القيادة التعليمية المتقدمة، إلى جانب تحديث المناهج الدراسية، بما يؤكد أن التدريب لا يقتصر على المهارات التقليدية، بل يستجيب لمتطلبات المرحلة الراهنة.

ختم السعود تصريحه بالإشارة إلى أن البرامج التدريبية تُظهر مستوى متقدماً من مواكبة التطورات الحديثة، من خلال التركيز على التحول الرقمي وتطوير القيادات التربوية إلى جانب المعلمين، والاهتمام بالقيم الحديثة في التعليم، وتنوع الفئات المستهدفة، كما أكد أن وزارة التربية والتعليم تحرص على إصدار تقارير إحصائية في نهاية كل عام دراسي تتضمن أعداد المستفيدين من الفرص التدريبية، ويتم نشرها عبر الموقع الرسمي للوزارة.

توجه وطني

بدوره، أكد الخبير التربوي محمد الصمادي أن النظام التعليمي الأردني يشهد، في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات المعرفة والتكنولوجيا، توجها وطنياً واضحاً نحو تطوير أداء المعلم بوصفه حجر الزاوية في العملية التعليمية، مشيراً إلى أن هذا التوجه تجسّد من خلال اعتماد منهاج التنمية المهنية للمعلم الأردني، الذي يكرّس أهمية التدريب المستمر أثناء الخدمة، وربطه بالمعايير العامة والتخصصية للمعلمين، بما يسهم بشكل مباشر في تحسين جودة التعليم ومخرجاته.

وأوضح الصمادي أن منهاج التنمية المهنية للمعلم الأردني يُعد إطاراً وطنياً شاملاً يهدف إلى بناء القدرات المهنية للمعلمين وفق معايير واضحة، تضمن تطوير معارفهم ومهاراتهم واتجاهاتهم المهنية.

وبين أن هذا المنهاج يستند إلى المعايير العامة للمعلمين، التي تركز على القيم المهنية وإدارة التعلم وتوظيف التكنولوجيا، إلى جانب المعايير التخصصية التي تعنى بتمكين المعلم من محتوى تخصصه وطرائق التدريس الحديثة.

وأشار إلى أن أهمية برامج التنمية المهنية تنبع من ارتباطها الوثيق بالتطبيق الفعلي داخل المدرسة، حيث لم يعد التدريب نشاطاً نظرياً منفصلاً عن الواقع، بل أصبح عملية تعلم مهني مستمرة تنطلق من احتياجات المعلم الحقيقية داخل الغرفة الصفية.

قال إن هذا التوجه يسهم في تحويل المدرسة إلى وحدة فاعلة للتدريب والتنمية المهنية، تُمارس فيها الخبرات التعليمية، ويجري من خلالها تبادل الخبرات والتأمل في الممارسات التدريسية، بما ينعكس مباشرة على تحسين الأداء التعليمي.

وبيّن الصمادي أن برامج التنمية المهنية في وزارة التربية والتعليم الأردنية تُنفذ على مستويين متكاملين؛ يتمثل الأول في البرامج المركزية التي تشرف عليها الوزارة، وتستهدف تطوير المعلمين وفق أولويات وطنية محددة، مع الاستعانة بمزودي خدمة متخصصين لضمان جودة المحتوى التدريبي وفاعليته، أما المستوى الثاني فيتمثل في البرامج التخصصية والفرعية التي تُنفذ على مستوى المدرسة، انطلاقاً من احتياجاتها الواقعية، وبما يتناسب مع طبيعة التخصصات المختلفة.

وشدد على الدور المحوري لمستشاري التطوير المدرسي في مختلف مديريات التربية والتعليم، لما لهم من إسهام فاعل في دعم المدارس ميدانياً وتقديم الإشراف والإسناد التربوي وبناء مجتمعات تعلم مهنية داخل المدرسة ومتابعة أثر التدريب على الممارسات الصفية، بما يضمن استدامة التنمية المهنية وفاعليتها.

أكد أن هذا النموذج المتكامل للتنمية المهنية يعزز التناغم بين الوزارة والمدارس، ويُرسخ مفهوم التنمية المهنية المستمرة، ويسهم في رفع كفاءة المعلم الأردني وتحسين البيئة التعليمية وتطوير مخرجات العملية التعليمية، بما ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي، ولا سيما في محور التحديث التربوي.

ختم بالتأكيد أن ربط برامج التنمية المهنية بمنهاج وطني واضح ومعايير عامة وتخصصية وتفعيل المدرسة كوحدة للتدريب بدعم من مستشاري التطوير المدرسي يمثل استثماراً استراتيجياً في المعلم الأردني وفي جودة التعليم وفي بناء جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل والمساهمة الفاعلة في تنمية الوطن.

تحول في الفلسفة التربوية

من جانبه، قال الخبير التربوي عايش النوايسة إن عمليتي التعلم والتعليم تشهدان في المرحلة الراهنة تحولاً جذرياً في الفلسفة التربوية والمناهج وطرائق وأساليب التعليم وأنماطه ومجالاته، مشيراً إلى أن هذا التحول جاء استجابة لجملة من التحديات والمعطيات المتسارعة، وفي مقدمتها التطور المستمر في تقنيات التعليم والتدريب.

وأوضح النوايسة أن تطوير جودة التعليم وتحديثها لم يعد خياراً، بل أصبح مطلباً استراتيجياً ومصيرياً وحتمياً أكثر من أي وقت مضى.

وبين أن التقدم التكنولوجي الهائل، إلى جانب ثورة الاتصالات العالمية وسهولة وسرعة تداول المعرفة، أسهم في إحداث نقلة نوعية في مجال التدريب، وجعل منه أداة محورية في تمكين المعلمين من التواصل واكتساب معارف ومهارات وخبرات وتقنيات تعليمية حديثة، انعكست بشكل مباشر على جودة العملية التعليمية ومخرجاتها النهائية.

وأشار إلى أن جميع دول العالم، ومنها الأردن، تسعى إلى تحسين مدارسها والاستجابة للتوقعات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، لافتا إلى أن المعلم يُعد أحد أبرز ركائز العملية التعليمية، وأن تحسين الكفاءة وتحقيق العدالة في التعليم يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بتوفير معلمين مؤهلين ذوي كفاءة والتزام يمتلكون الرغبة الحقيقية في العمل التربوي وأساليب تدريس عالية الجودة مع ضمان وصول التعليم إلى الجميع.

قال إن التدريب الموجه نحو تطوير أداء المعلمين يُعد من أهم الأدوات لتحقيق هذه الأهداف، لما له من دور محوري في تغيير الممارسات التربوية المرتبطة بدور المعلم، وبالتالي التأثير الإيجابي على أداء الطلبة ولا سيما في تحقيق نتاجات التعلم.

وأوضح أن التدريب يزوّد المعلم بخمسة مرتكزات أساسية تتمثل في المهارات والخبرات والتقنيات والاتجاهات والمعارف والقيم، ما يجعله الوسيلة الأكثر فاعلية وتأثيراً في صقل المعلمين وتنمية قدراتهم.

أكد النوايسة أن التدريب يحتل اليوم مكانة متقدمة في أولويات وزارة التربية والتعليم، باعتباره أحد المسارات الرئيسة لتطوير قدرات المعلمين وتحسين مخرجات التعليم، من خلال تزويدهم بالمتغيرات والمتطلبات المستجدة في عملية التعلم والتعليم والعمل على تطوير مهاراتهم وقدراتهم وتغيير سلوكهم واتجاهاتهم بشكل إيجابي، بما ينعكس على رفع مستوى أدائهم وكفاءتهم المهنية.

وأشار إلى أن الوزارة، إدراكاً منها لأهمية التدريب، تقوم بشكل دوري بدراسة احتياجات المعلمين ومتطلباتهم التدريبية، إيماناً بأن المعلم هو العنصر الأساسي في تجويد التعليم وتحسينه، كما تعمل حالياً على تطوير برامج إعداد وتنمية المعلمين مهنياً ضمن أطر واضحة تشمل سياسة شاملة ومتكاملة لإعداد المعلمين وإعداداً فاعلاً لهم قبل الخدمة، إلى جانب تطوير منهاج وطني للتنمية المهنية يؤطر جميع البرامج والأنشطة التدريبية المقدمة للمعلمين.

وأوضح أن هذه الجهود تتكامل مع إقرار مسار وظيفي واضح للمعلمين قائم على التنمية المهنية والأعباء الوظيفية والأداء المتميز المقاس بالنتائج، بما ينعكس على الرتب والرواتب والحوافز والترفيع، ويعزز ثقافة التميز ويمنح المعلمين رؤية واضحة لمسارهم المهني وفرص تطورهم.

أكد النوايسة أن نظام إجازة التعليم يشكّل ركيزة مهمة لضمان جودة التعليم وتحسين الكفاءة المهنية للمعلمين، من خلال إيجاد مسارات مهنية متخصصة تسهم في بناء نظام تنمية مهنية مستدامة قائم على أفضل الممارسات والمعايير العالمية ومنهجيات تقويم مستمرة مرتبطة باحتياجات التعلم المتغيرة.