شهدت الساحة السياسية الأوروبية تحولاً ملحوظاً مع تراجع المستشار الألماني فريدريش ميرز عن دعمه السابق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الحرب مع إيران، حيث يأتي هذا التغيير في الموقف بعد تزايد الآثار الاقتصادية والأمنية للصراع على ألمانيا وأوروبا، مما يعكس القلق المتزايد من تداعيات النزاع المستمر في منطقة الخليج.

ووفقاً لتقرير نشرته مجلة “بوليتيكو” المختصة في الشأن الأوروبي، فإن ميرز، الذي بدا متوافقاً مع واشنطن في أهداف الحرب الأسبوع الماضي، قد غيّر لهجته بشكل ملحوظ، حيث تعكس تصريحاته الأخيرة المخاوف المتزايدة في برلين من تأثير الصراع على الأمن والاستقرار الإقليمي.

خلال زيارة رسمية إلى النرويج، انتقد المستشار الألماني الحرب بشكل واضح، مشيراً إلى أنها تطرح “أسئلة كبيرة تتعلق بالأمن”، كما أكد أن الصراع “يؤثر بشكل كبير على تكاليف الطاقة وقد يؤدي إلى موجة هجرة واسعة”، وهو ما يمثل تحولاً واضحاً مقارنة بلقائه مع ترامب في البيت الأبيض الأسبوع الماضي، حيث أظهر دعماً لأهداف الحرب التي أعلنتها واشنطن.

في ذلك اللقاء، أبدى ميرز تأييداً واضحاً لتصريحات ترامب حول الأضرار الناتجة عن الضربات الجوية الأمريكية لإيران، وأكد توافق برلين مع واشنطن بشأن ضرورة إنهاء حكم النظام في طهران، لكن مع دخول الحرب أسبوعها الثالث، بدأ ميرز يتراجع عن حماسه السابق، حيث بدأت تداعيات الصراع تهدد المصالح الاقتصادية والسياسية لألمانيا وأوروبا بشكل متزايد.

وأشار التقرير إلى أن ميرز يواجه ضغوطاً سياسية متزايدة داخل بلاده، خاصة من الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، الذي يدعو إلى موقف أكثر حذراً من الحرب، كما يجد نفسه معزولاً نسبياً بين عدد من القادة الأوروبيين الذين انتقدوا الضربات الأمريكية والإسرائيلية منذ البداية، ومن بينهم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

تخشى الحكومة الألمانية أن تؤدي الحرب إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، خاصة في ظل تباطؤ نمو قطاع التصنيع وارتفاع تكاليف الطاقة، كما أن ميرز قلق من أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى أزمة لجوء جديدة في أوروبا، في وقت يسعى فيه للحد من صعود حزب اليمين المتطرف المناهض للهجرة.

علاوة على ذلك، تعرب برلين عن قلقها من تأثير الحرب على جهود إنهاء الصراع بين روسيا وأوكرانيا، خصوصاً بعد قرار الإدارة الأمريكية تخفيف بعض العقوبات النفطية المفروضة على روسيا بهدف خفض أسعار النفط العالمية، وقد انتقد ميرز هذه الخطوة بشدة، معتبراً أنها قد تمنح موسكو موارد مالية إضافية لتمويل حربها ضد أوكرانيا، واصفاً القرار بأنه “خاطئ”.

قال المستشار الألماني: “نريد التأكد من أن روسيا لن تستغل الحرب في إيران لإضعاف أوكرانيا”، حيث أشار تقرير “بوليتيكو” إلى أن ميرز أرسل، منذ بدء الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، إشارات متباينة حول موقف بلاده، ففي اليوم التالي للهجوم الأول، أعرب عن شكوكه في قدرة الضربات على إسقاط النظام في إيران، محذراً من احتمال تحول الحرب إلى صراع طويل يشبه ما حدث بعد غزو العراق عام 2003

في الوقت نفسه، أكد أن ألمانيا لا يمكنها “إلقاء المحاضرات” على حلفائها، وأنها تتفهم أهدافهم السياسية، وهذه الرسائل المتناقضة أثارت ارتباكاً حتى داخل طهران، حيث صرّح السفير الإيراني لدى ألمانيا مجيد نيلي أحمد آبادي بأن بلاده لا تستطيع تحديد الموقف الحقيقي لبرلين، قائلاً: “لا نعرف ما هو الموقف الفعلي لألمانيا، فنحن نسمع أصواتاً مختلفة من داخل الحكومة”

في الأيام الأخيرة، بدأ ميرز يتخذ موقفاً أكثر حذراً، حيث أعرب خلال لقاء في برلين مع رئيس وزراء جمهورية التشيك أندريه بابيش عن قلقه من أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تمتلكان حتى الآن خطة واضحة لإنهاء الحرب، مما يزيد المخاوف الأوروبية من تحول الصراع إلى حرب مفتوحة وطويلة الأمد في الشرق الأوسط.