رد إيران على الأحداث الأخيرة بمهاجمة دول الخليج والأردن شكل مفاجأة للولايات المتحدة التي اعتمدت في استراتيجيتها العسكرية على فرض استسلام إيران من خلال القضاء على قياداتها الرئيسية وقد أغفلت هذه الاستراتيجية أن النظام الإيراني في هذه المرحلة يخوض حربه الأخيرة مما يدفعه لتوسيع نطاق المواجهة ورفع كلفة الحرب على جميع الأطراف المعنية تدخل الحرب أسبوعها الرابع تقريباً دون وجود مؤشرات قوية على انتهاء قريب ولكن ذلك لا يعني استمرارها إلى أجل غير مسمى فهناك عوامل عديدة تجعل استمرار الحرب أمراً غير متوقع إن إنهاء الحرب يعتمد بشكل كبير على الرئيس الأميركي ورؤيته للنصر الذي يجب أن يتوقف عنده القتال غير أن مفهوم النصر الأميركي لا يزال غامضاً وغير محدد بسبب عدم وضوح الاستراتيجية الأميركية في التعامل مع إيران وما إذا كانت الحرب تحقق مصلحة أميركية أو إسرائيلية أو مصلحة مشتركة لكلا الطرفين
في هذا السياق تشير نظرية الاختيار العقلاني إلى أنه إذا كانت الحرب مكلفة بشرياً ومادياً لأحد الأطراف وتم تحقيق أهداف أو جزء منها فإن إعلان نصر من جانب واحد والانسحاب بطريقة تحفظ ماء الوجه يعد خياراً عقلانياً كما أن نظرية اللعبة في الحرب توضح أن النصر الكامل الذي يحقق فيه أحد أطراف الحرب جميع أهدافه ويفرض شروطه على الطرف الآخر غير ممكن في هذه الحرب الواقع يشير إلى أن الأهداف التي سعت الولايات المتحدة لتحقيقها بشكل سريع لم تتحقق أو قد تحقق منها جزء بسيط مثل إسقاط النظام أو تغييره الذي لم يتحقق بشكل كبير بل على العكس قد تكون قبضة النظام والحرس الثوري قد ازدادت قوة بعد مقتل المرشد الإيراني السابق
لذلك نرى أن تصريحات المسؤولين في الولايات المتحدة وإسرائيل بدأت بالترويج لنصر يمكن تسويقه للجمهور الأميركي والإسرائيلي على حد سواء ففي التصريحات الأخيرة لنتنياهو يظهر تراجع عن الشروط التي كان يسميها شروط استسلام إيران حيث أشارت صحيفة الجيوزليم بوست يوم 13 آذار أن نتنياهو قال إن إيران لم تعد التهديد الذي كانت عليه رغم أن تلك الليلة شهدت هجوماً إيرانياً منسقاً مع حزب الله استمر لمدة خمس ساعات وأسفر عن العديد من الإصابات
إلا أن ما قد يعجل بإعلان النصر ليس فقط الكلفة العالية التي تتحملها الدول بل استطلاعات الرأي لدى الشعب الأميركي والإسرائيلي حيث أظهرت استطلاعات الرأي لمعهد الأمن الوطني الإسرائيلي أن الإسرائيليين بشكل عام يؤيدون الحرب على إيران بنسبة 81% وهي نسبة مرتفعة لدولة تتعرض للحرب من عدة جهات 63% من المستطلعة آراؤهم يعتقدون أن الحرب يجب أن تستمر حتى يسقط النظام الإيراني و62% مستعدون للعيش تحت القصف لمدة شهر بالنسبة لوضوح أهداف الحرب فإن 86% من الإسرائيليين يتفهمون هذه الأهداف كما تظهر استطلاعات الرأي أيضاً نسبة 85% ثقة عالية في الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية أما نسبة تأييد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فقد بلغت 38% بزيادة 4% عن الشهر الماضي وهي نسبة مرتفعة نظراً لتباين الشعب اليهودي ووجود معارضة قوية ولدى ناخبي ومؤيدي حزب نتنياهو ترتفع النسبة إلى 79% مما يعكس كيف يفكر الشعب الإسرائيلي بشأن الحرب مع إيران
تشير النسب العالية لاستطلاعات الرأي إلى أن الشعب الإسرائيلي يعتبر إيران التهديد الأول للأمن الإسرائيلي وأن الدولة محقة في اتخاذ قرار الحرب التأييد العالي لتدمير إيران ولرئيس الوزراء يعطي انطباعاً بأن الشعب أصبح مشغولًا بالأمن أكثر من أي شيء آخر مما يعني أن هامش إعلان النصر بالنسبة لنتنياهو قابل للتعديل وفق رؤيته الشخصية
أما بالنسبة للشعب الأميركي فإن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الشعب الأميركي غير مؤيد للحرب وأن الدولة تخوض حرباً تعتبر غير ضرورية ولا تحقق الأهداف الاقتصادية والرفاهية التي وعد بها الرئيس الأميركي عند انتخابه أظهر استطلاع أجرته جامعة ميريلاند أن الرغبة الشعبية في شن ضربة عسكرية على إيران كانت منخفضة حيث عارض 49% من الأميركيين هذا الإجراء بينما أبدى 30% عدم يقينهم مما يشير إلى عدم وجود إجماع داخل الحزب الجمهوري حيث أيد 40% فقط توجيه ضربة بينما عارض 25% الفكرة و35% قالوا إنهم غير متأكدين
هناك مجموعة من العوامل التي تلعب دوراً حاسماً في إنهاء الحرب الحالية حتى لو لم تتحقق جميع الأهداف وأهمها
أولاً: تقييم الأضرار العسكرية على الأرض وما إذا تم تدمير جميع مواقع القوات الإيرانية ومنصات إطلاق الصواريخ وما إذا كانت السيطرة الجوية للقوات المهاجمة قد تحققت أم أن الواقع يشير إلى غير ذلك في هذه الحالة ورغم الادعاءات الأميركية والإسرائيلية المتعلقة بعدد الأهداف التي تمت مهاجمتها ومدى إلحاق الضرر إلا أن إيران ما زالت قادرة على إرسال الصواريخ والطائرات بدون طيار صحيح أنها متذبذبة ولكنها مستمرة مما يشير إلى أن تحديد مدى نجاح القوات المهاجمة غير يقيني
ثانياً: التداعيات الاقتصادية للحرب خاصة إغلاق مضيق هرمز حيث يمكن أن يكون سلاح النفط في هذه المعركة أقوى من الصواريخ إذ تملك إيران القدرة على إغلاق المضيق مما يتسبب في أزمة عالمية في سوق الطاقة حيث تراهن إيران على أن الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة لفترة طويلة سيزيد من الضغط العالمي والشعبي الداخلي على الرئيس ترامب مما يعجل بنهاية الحرب حتى الآن يبدو أن هذه الاستراتيجية تحقق نجاحاً كبيراً وحتى لو تم تشكيل تحالف من بعض الدول لحماية المضيق فإن تقديرات الخبراء تشير إلى أن كل سفينة نقل نفط تحتاج إلى ثلاث سفن لحمايتها مما يجعل هذه الطريقة غير مجدية
يبقى الحل الأخير هو الاجتياح البري الذي قد يحمل في طياته كارثة كبيرة على القوات المهاجمة
ثالثاً: الخسائر البشرية الأميركية في الحرب وقد تكون أقل العوامل قلقاً في هذه المرحلة نظراً لأن الإصابات الأميركية قليلة إلا أن ارتفاع عدد الضحايا قد يؤدي إلى تغيير كبير في المزاج السياسي داخل الولايات المتحدة حيث يُظهر التاريخ الأميركي حساسية كبيرة للرأي العام تجاه الحروب التي تتسبب بخسائر بشرية كبيرة
رابعاً: الضغوط الإقليمية والدولية حيث تجد الدول الخليجية التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية نفسها في موقع حساس نتيجة الهجمات الإيرانية استمرار هذه الهجمات قد يدفع هذه الدول إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية على واشنطن لتقليل مستوى التصعيد العسكري
خامساً: قدرة الجهات المتحاربة على إدامة المعركة فنياً خاصة الذخائر الذكية المعترضة للصواريخ الإيرانية حيث ذكرت وسائل أميركية أن تكلفة الأسبوع الأول من الحرب بلغت 11.3 مليار دولار ومدى قدرة إيران على الصمود فترة طويلة مع احتمالية نفاد الصواريخ البالستية الإيرانية استخدمت إيران 700 صاروخ و3500 طائرة مسيرة حتى الآن وبحسبة بسيطة إذا استمر هذا المعدل وكان لدى إيران مثلاً 10 آلاف صاروخ فقد تحتاج إلى 30 أسبوعاً لانتهائها وهي فترة طويلة أن تستمر الحرب كل هذه المدة
أخيراً: الضغط والانتقادات التي يمكن لحركة ماغا MAGA التي ينتمي إليها الرئيس الأميركي أن تمارسها على إدارة الرئيس ترامب حيث إن هذه الحركة دعمت الرئيس بناءً على شعارات إنهاء الحروب والاهتمام بالداخل الأميركي وهو ما يتعارض مع الوضع الحالي حيث يمكن لإيران التأثير على الداخل الأميركي بشكل كبير إذا استطاعت إطالة مدة الحرب وإرسال الصواريخ بشكل مستمر حيث أثبتت استطلاعات الرأي أن نسبة تأييد الحرب بين الأميركيين أقل من المتوسط
*مركز الدراسات الإستراتيجية- الجامعة الأردنية.

